عباس محمود العقاد ... شخصيات ادبيه


عباس محمود العقاد (29 شوال 1306 هـ = 28 يونيو 1889 - 26 شوال 1383 هـ= 12 مارس 1964م) شاعر وناقد مصري ولد بمدينة أسوان في 28/6/1889، وتخرج من المدرسة الابتدائية سنة 1903.

وعمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط وعمل بالسكك الحديدية؛ لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا؛ حيث حصل على الشهادة الابتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب، والتحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية.

ملّ العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع "محمد فريد وجدي" في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه، وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ما جعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.

ولم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات.

أما عن أعماله الأدبية فهي كثيرة للغاية ويصعب حصرها، لكن بداية ظهوره قي الإنتاج الأدبي كان في سنة 1916، مع ديوانه الشعري الأول، وصدر له بعد ذلك مجموعات شعرية، مثل: هداية الكروان، وأعاصير المغرب، وحي الأربعين، وعابر سبيل.
عباس العقاد في كبره

وقد أسس العقاد بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري مدرسة الديوان، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق.

ومن أشهر أعمال العقاد سلسلة العبقريات التي تناولت بالتفاصيل سير أعلام الإسلام، مثل: عبقرية محمد، وعبقرية عمر، وعبقرية خالد، وغيرها.. ولم يكتب إلا رواية واحدة هي "سارة"، ومن أهم مؤلفاته أيضا: الفلسفة القرآنية، والله، وإبليس، الانسان في القران الكريم ومراجعات في الأدب والفنون.

وقد منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها. وتوفي العقاد سنة 1964.


تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة.

وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.


المولد والنشأة

العقاد في شبابه

في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (29 من شوال 1306هـ= 28 من يونيو 1889)، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (1321 هـ= 1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.

وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر.

ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (1323هـ= 1905م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1325هـ= 1907م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.

الاشتغال بالصحافة


ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (1325هـ= 1907م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.

وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331 هـ= 1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1336 هـ= 1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1338هـ= 1919م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.

وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1342هـ= 1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1349 هـ= 1930م) بتهمة العيب في الذات الملكية.

وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة ( 1354هـ= 1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر.


مؤلفات العقاد

المستقبل في عيون مفكر

عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديباً زاره يوماً، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعاً لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة.

وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر.

ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير.

وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا استعمار".

وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير.

وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرنارد شو، والشيخ الرئيس ابن سينا".

وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".



إسلاميات العقاد

انعقاد مجمع اللغة العربية برئاسة أحمد لطفي السيد ولحظة انفعال من العقاد

تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون.

وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين.

وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى.

وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام.

وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء.

وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام".



شاعرية العقاد

لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية.

ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر؛ ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها:
متحكم في الراكبـــين وما لــــه أبدًا ركوبة
لهم المثوبة من بنــانك حين تأمر والعقـــوبة
مُر ما بدا لك في الطـريق ورض على مهل شعوبه
أنا ثائر أبدًا وما فـــي ثورتي أبدًا صعـــوبة
أنا راكب رجلي فـــلا أمْرٌ عليَّ ولا ضريبة



تقدير العقاد

لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1359 هـ= 1940م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1379هـ= 1959م).

وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.

وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه".

وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على ببليوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية.

واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد".
وفاة العقاد

ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (26 من شوال 1383هـ= 12 مارس 1964م).

الحـلم الأخيـر ... قصه حقيقيه



‏*‏ انا امرأة تجاوزت الستين من عمري وقد كنت أعمل موجهة تربية فنية للمرحلة الابتدائية‏..‏

رسالتي هذه اوجهها لكل أم وأب ولابني ولحفيدي الذي لم أره حتي الآن‏..‏ منذ زمن طويل بعد تخرجي مباشرة من مدرسة المعلمات مرضت أمي مرضا شديدا ثم توفيت ثم لحق بها أبي بعد ثلاثة أشهر‏.‏

وكان نتيجة ذلك أن أجبرني زوج أختي علي بيع البيت أنا وأختي وأن انتقل للإقامة معهما ومنذ ذلك اليوم‏,‏ بدأت قصتي مع الذل والهوان والإهانة‏..‏ كنت أذهب للعمل منذ الصباح الباكر فاشتري ساندويتشات من محل فول وأنا في طريقي للمدرسة كيلا أفطر في البيت وبعد انتهائي من العمل آكل في أي مطعم شعبي في الخارج كيلا آكل بالمنزل وأدخل من باب البيت فامسح واكنس وأطبخ ما لا أذوقه‏,‏ وفي نهاية كل يوم لابد أن اسمع إهانات صريحة ومباشرة ولابد ان اسكت وإلا أصبح في الشارع‏.‏

ساءت صحتي من الأكل السييء وتدهورت بشدة أثناء اقامتي عند اختي فكانت تتهمني هي وزوجها بادعاء المرض حتي عاد بي زميلاتي يوما من المدرسة يحملنني بعد أن اغمي علي‏.‏ كرهت اختي وزوجها وعشت عامين علي أمل ان أتزوج من رجل طيب القلب يعوضني عن كل الأيام السيئة التي رأيتها في بيت أختي وبالتالي وافقت علي أول عريس تقدم لي وانبهرت بوجاهته ولأن أبي مات فلم يقم أحد بالسؤال عن العريس أو حتي بتأميني بمهر مناسب أو مؤخر أو شبكة‏.‏

كان كل هم زوج أختي هو الاستيلاء علي أكبر قدر من المال اثناء تجهيزي من نصيبي من بيع منزل أبي وتزوجت ياسيدي ومات كل أمل لي في الدنيا فمنذ الايام الأولي ظهر لي زوجي علي حقيقته بخستة وبخله‏,‏ أما امه واخته فحدث ولا حرج‏.‏

ولأنه كان انسانا غير كريم كان يقول لي مؤخرك عشرة جنيهات أرميها لك علي الجزمة فتصبحين في الشارع وتحملت السب والضرب المبرح والإهانة المستمرة والسخرية مني ومن أهلي حتي من والدي رحمهما الله وتحملت أيضا ألا يدخل لي البيت قريب أو زميلة في الشغل بسبب وقاحته في استقبال أي شخص يمت لي بصلة من قريب أو بعيد وعشت وحيدة مع الإهانة والضرب والسب وكأن الدنيا لم يعد بها خير ولا تضم انسانا ينقذني مما أنا فيه وكنت أصلي بعد كل فرض ركعتين

رجاء الله كي يخلصني مما أنا فيه ولكن لم تقبل دعواتي وظللت علي هذا الحال

حتي جاء يوم أذكره جيدا فقد خرجت يوما مع زوجي المحترم لنقدم فروض الولاء والطاعة لحماتي فقابلنا مدير المدرسة

التي أعمل بها وأخذ يشكر لزوجي في اخلاقي وأنه لا يوجد في المدرسة من هو مثلي وغيره من كلام المجاملة هذا ووصلنا إلي بيت حماتي وقبل أن أدخل وجدتني أجر من شعري وسحبت داخل الشقة لينهال علي ضربا وسبا امامها وهو يقول لي فرحانة بنفسك ياست الأبلة تكونيش حاسبة نفسك ست وظل يضرب في امام امه دون أن تمنعه عني ولم يكن يهمها أي شئ سوي أن تعرف سبب الخناقة وظل يضرب في لمدة ساعة وهو يسبني بالفاظ نابية تشير لانني امرأة ساقطة واني لا أذهب للعمل إلا كي ينظر لي الرجال‏..‏

وفقدت من شدة الآلم السيطرة علي نفسي حتي فقدت التحكم في مثانتي وبللت نفسي‏.‏

ومنذ ذلك اليوم توقفت عن الدعاء نهائيا وصرت كالصنم لا اتكلم ولا أفعل أي شئ‏,‏ صامتة واجمة حتي التفكير توقفت عنه ولم أعد اشعر بشئ حتي حين أنجبت ابني الأول لم افرح به ولم اشعر ناحيته بأي مشاعر وقام زوجي بتربية ابني علي مبادئ اسرته العجيبة من وحشية وانتهازية وحقد علي الآخرين بل وايضا علي الاستهزاء بي وبأصلي واهلي ثم جاء الفرج بأن قرر زوجي السفر للخارج

وكنت وقتها حاملا بعد توقف عن الانجاب لمدة ثماني سنوات فسافر زوجي وانا حامل ثم توفيت حماتي بعد سفره فشكرت الله علي رحمته الواسعة بأن ازال اكثر اثنين يؤذيانني‏.‏

ولأول مرة في حياتي أنام حتي ارتاح في السرير وأنام بعد عودتي من العمل وآكل براحتي وأشاهد التليفزيون ويمر اليوم دون سب وضرب‏,‏ ولكن زوجي كان لابد وأن يترك اثره الطيب فبعد ان سافر لم يرسل لي نقودا بل كان يرسلها إلي اخته لتعطيها الي ابني الاكبر فاذا اردت مبلغا اطلبه من ابني حيث كان يدربه علي البخل‏,‏ والفشل منذ صغره ولكنني لم اهتم بل فرحت بسفر السجان وموت السجانة كما كنت القبهما‏.‏

وأنجبت ابني الاصغر ولأول مرة افرح بالولادة فلم يأخذه زوجي من حضني ليلقنه اسلوبه الشاذ في الحياة وظل زوجي في الخارج سنوات طويلة وانا سعيدة لأول مرة في حياتي وتوطدت العلاقة بيني وبين ابني الأصغر بينما لم يحمل قلبي أي حب للابن الأكبر الذي تحول مع مرور الوقت إلي صورة ألعن من ابيه‏..‏ فكان يقطر علي في مصروف البيت لي ولأخيه بينما كان يأكل في أغلي المطاعم ويرتدي أغلي الملابس ولأني لم أكن أريد وقوع مشاكل ربيت ابني الأصغر علي طاعة أخيه الأكبر‏,‏ وتخرج ابني الاكبر في كلية التجارة‏,‏ واقترح زوجي عليه أن يسافر معه ليجد فرصة عمل له في الخارج فسافر

وهو يظن أنه سيعمل مديرا وذلك بواسطة نفوذ ابيه ذي المؤهل المتوسط‏,‏ وحين سافر واستلم عملا لم يكن يتخيل ضآلة راتبه لم يتحمل اكثر من شهر وأصيب بما يشبه الانهيار فهو ليس رئيسا يأمر ويحكم كما كان يحلم طوال حياته وكما اعتاد بل هو مرءوس وله من يحاسبه ويؤنبه وترك العمل وظل في المنزل وقام والده باستدعائي انا واخيه لانه لم يعد يتحمله بسبب طلباته الكثيرة ولسوء طباعه حيت لم يكن يغسل الكوب الذي يشرب فيه هذا وقد بدأت الأمراض تتراكم علي زوجي‏,‏ سافرت انا وابني الاصغر بالرغم من انها كانت سنة الثانوية العامة واستطاع ان يأخذها من هناك بمجموع معقول اتاح له ان يدخل كلية العلاج الطبيعي

وكان ابني غير موافق علي الكلية في البداية ولكنه أطاع والده حينما قال له العلاج الطبيعي تخصص نادر ومطلوب في الدول العربية بكثرة وعدنا جميعا الي مصر بعد رفض ابني الأكبر لأي عمل وتدهورت صحة زوجي ودخل الابن الاصغر كلية العلاج الطبيعي وقرر الابن الأكبر ان يقوم بالدراسات العليا دون ان يعرف كم ستتكلف أو ما فائدتها أو يعمل اي عمل ليصرف علي نفسه‏.‏

ولأول مرة بعد سنوات طويلة من الزواج بدأ زوجي يشكوا لي في البداية كان يشكو من أخته وابنائها الذين لايتذكرون افضاله السابقة عليهم‏,‏ ثم بدأ يشكو من الابن الاكبر الذي ظهرت صورته أمامه بعد الغربة من غرور بلا مبرر وتطلعات لأشياء خارج قدرتنا المالية وعدم سعي للعمل‏,‏ ثم قرر زوجي أن يستثمر الأموال التي عاد بها من الخارج في بناء عمارة يكون لكل ابن شقة ويؤجر باقي الشقق كنوع من الاستثمار‏,‏ ولأول مرة يتحمس ابني الاكبر للعمل وأعلن حماسه الشديد لهذه الفكرة انه سيتولي امر كل شئ ليريح أباه المريض هذا في حين أنه كان يرفض شراء لوازم البيت نفسه‏.‏

واتضحت الرؤية فيما بعد حيث علم زوجي انه قد سرق ما يزيد علي خمسين ألف جنيه اثناء بناء العمارة وانه لم يشرف علي أي شئ بل سلم المشروع كاملا لمكتب هندسي لينفذه‏,‏ وبدأ يحدث احتكاك بين زوجي وابني الاكبر لأول مرة كما بدأ زوجي يدرك أن له ابنا آخر لم يعطه شيئا مما أعطاه للأول‏.‏

ويبدو أن زوجي شعر بنهايته ففي يوم سألني ان كنت سأسامحه علي ما فعله بي في الماضي فلم ارد عليه كما استدعي ابني الاصغر وطلب منه ان يسامحه لأن الاكبر قد اخذ اكثر من حقوقه فرد عليه انه لايريد أي اموال بل يريد سلامته‏.‏

توفي زوجي وبعدها بثلاثة اشهر قرر ابني ان يخطب وحينما اعترضت علي التوقيت بعد وفاة ابيه قرر ان هذا كلام فاضي واعتراض علي ارادة الله ولآني مازلت في فترة الحداد علي زوجي وليس مسموحا لي بالخروج فسيذهب هو واخوه وعمه وحدث ان استولي علي نصيبي في ميراث ابيه وحتي نصيب اخيه ليفرش احسن فرش ويشتري اغلي شبكة ويعمل أحسن فرح وسافر ابني الاصغر للخارج ليستطيع أن يجهز نفسه للزواج بنفسه وعشت مع ابني الاكثر وزوجته التي كانت تشبه حماتي‏.‏

ولانه هو وزوجته لايعملان فرض علي ابني الاصغر ان يموله كل شهر بمبلغ مالي ليصرفا منه وعاد عهد الظلم من جديد وعدت مرة أخري للصمت والخرس‏.‏

بعد ست سنوات من سفر ابني الاصغر قرر ان يتزوج في احدي الاجازات وتمت الخطبة والزواج بسرعة من طبيبة من بيت طيب واشتعلت النار في قلب إبني الاكبر وزوجته فسيفقدان الممول الاكبر كما أن الزوجة الجديدة بأصلها واهلها ووضعها الاجتماعي تقلل من شأنهما‏.‏ وبدون ان اطيل عليك استطاع ابني الاكبر في اقل من سنة بتدبير شيطاني ان يدمر زيجة اخيه لتتركنا زوجته وهي حامل ووضعت طفلها ونحن لانعلم حتي اسمه‏.‏

وظل في وسوسته حتي اقنع اخاه بان يتزوج اخت زوجته ذات المؤهل المتوسط حتي وافق وجاء اليوم المشئوم يوم عقد القران وكانت زوجة ابني قد سبقتنا بأبنائهما الثلاثة الي قرية ابيها بعدة ايام وقاد ابني الاكبر السيارة ولكن لم نصل الي حفل كتب الكتاب بل وصلنا إلي مستشفي الطوارئ حيث توفي ابني الاصغر وبترت قدمي واصيب ابني الاكبر بكسر مضاعف في الحوض‏.‏

وانكسر قلبي كسرا لم يمحه الزمن حتي الآن وظللت في السرير لما يزيد علي عام وتزوجت اخت زوجة ابني‏(‏ العروسة المشئومة‏)‏ بعد هذا الحادث بستة أشهر مرتدية الشبكة التي اشتراها ابني لها علي انها هدية والدها واستطاع ابني الاكبر أن يستولي علي كل نقود اخيه وسألت نفسي بعد أن افقت من موت ابني أليس ذلك أكلا لمال اليتيم وظللت اسأل نفسي تري ما اسم ابنه الذي لم أره وكيف يكون شكله وتصورت انه ربما يكون شكل أبيه فاري ابني فيه‏..‏ وذهبت الي منزل طليقة ابني الراحل لأري حفيدي دون أن يعرف ابني الأكبر مستعينة بالخادمة واستقبلتني والدتها ببرود ولها حق في ذلك وقلت لها أحمد مات انتوا ماعرفتوش فقالت ببرود البقاء لله‏,‏

وحين سألت عن حفيدي قالت لي انه سافر مع امه للخارج حيث تعمل ومرت السنون وقام ابني بفتح مشروع بنقود اخيه او ابن اخيه علي الاصح وعاش حياة مرفهة هو وزوجته اما انا فانخرطت في العبادة وفي يوم بعد صلاة الفجر نمت فرأيت ابني الاصغر وهو طفل يبكي فسألته مالك ياحبيبي فقال لي‏:‏ سايباني اتضرب ياماما وكانت تلك كلمته وهو صغير حينما كان يضربه اخوه‏.‏ ذهبت الي احد مشايخ الأزهر وكان يوما طالبا عندي وسألته

وعرفت الاجابة من قبل ان يقول لي وعلمت أنه يجب علي ان اترك الصمت فطلبت من ابني ان يسمعني لأول مرة في حياته وذكرته بانه استولي علي مال ابن اخيه اليتيم وان اخاه يتعذب في قبره وانه لابد سيدفع الثمن‏.‏

فاذا به يستهزئ بي ويقول لي اني كبرت وخرفت وبعدها بايام رماني في أحد دور المسنين مدعيا اني لا أستطيع دخول الحمام بنفسي وحتي الآن لم أر حفيدي ويأتينا هنا في الدار طلبة جامعيون ليزورونا وكنت اتوقع أن أجده بينهم ولا اعرف ان كان في مصر ام مازال في الخارج‏.‏ والآن يكتب لي هذه الرسالة حفيدي بالتبني كما يقول وهو أحد الشباب الذين يزوروننا في الدار وهو الذي شجعني علي كتابتها لعل حفيدي أو أمه يقرآنها فاراه مرة واحدة قبل الموت‏,‏ أما ابني الاكبر فقد بدأ في دفع حسابه الثقيل مع الله حيث اخبرتني خادمتهم التي تزورني باستمرار ان ابنته الكبري تركت المنزل وهربت بعد أن سرقت مبلغا ضخما من المال ولايعرفون أين ذهبت حتي الآن أما ابنه الأصغر فقد زادت حالة الصرع لديه بشكل كبير‏..‏ ولا أقول ياسيدي اني شمتانة فيه ولكني ايضا لست متعاطفة معه‏..‏ وفي النهاية لا أملك سوي أن ادعو الله أن يغفر لنا جميعا‏.‏



{{‏ سيدتي‏..‏ لقد آلمتني رسالتك وأحزنتني علي ما عانيته طوال حياتك‏,‏ وإن كنت واثقا في عدل الله سبحانه وتعالي‏,‏ تأكيدي أن ما تكبدته في رحلة الأيام القصيرة‏,‏ ستجنينه خيرا وسعادة مع من تحبين وتشتاقين إليهم في الدار الآخرة‏,‏ حيث المستقر‏.‏

لم أعرف إلي من أتحدث‏,‏ إلي شقيقتك وزوجها‏,‏ اللذين استباحاك بعد وفاة والديك‏,‏ ورسما عذابات حياتك‏,‏ أم إلي إبنك العاق‏,‏ الظالم‏..‏ أم أوجه ندائي إلي طليقة ابنك الراحل وحفيدك لعلهما يقرآن ويرق قلباهما‏,‏ ويحققان رغبتك الأخيرة‏.‏



إن الذين ظلموك يا أمي العزيزة‏,‏ قلوبهم غلف‏,‏ نسوا الله فأنساهم أنفسهم‏,‏ ولو كان في نفوسهم بصيص من الإيمان لتدبروا آيات القرآن الكريم الملأي بصور الظلم وعقاب الله الصارم‏:‏ إنما السبيل علي الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق‏,‏ أولئك لهم عذاب أليم‏..‏ لقد أعمي حب المال أبصارهم‏,‏ وزادهم الشيطان حقدا‏,‏ فأوعز اليهم بأن العز فيما لديك‏,‏ ونسوا أن من طلب عزا بباطل أورثه الله ذلا بحق‏..‏ وبدون أن تذكري ما آلت إليه أحوال شقيقتك وزوجها‏,‏ فإني أوقن بأن عدالة السماء لن تجعلهما يهنآن‏.‏

أما ابنك الذي لم يعرف جزاء قوله أف في وجهك‏,‏ لا أفهم كيف لم يستيقظ ضميره وهو يري ما ألم ببيته وهذا قليل مما سيحصد ولو تدبر قوله سبحانه وتعالي‏:‏ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا‏,‏ لأتي إليك زاحفا‏,‏ مقبلا قدميك طالبا العفو‏,‏ الذي سيجده حتما لأنك أم تدعين علي إبنك وتكرهين من يؤمن علي دعاك‏.‏

أيها الابن العاق إن رجالا يتخوضون في مال بغير حق فلهم النار يوم القيامة‏.‏ هكذا وعد الله‏,‏ وأنت الآن في عذاب صغير‏,‏ فهل يستيقظ ضميرك وتنحو بنفسك‏,‏ لأنك طمعت في كل شئ فخسرت كل شئ‏,‏ فهل هذا ما كنت ترجوه أو تتمناه‏.‏

ولمطلقة الابن الراحل وأم الحفيد الذي تحلم الجدة برؤياه‏,‏ أقول لها‏,‏ أن تلك الأم التي تعاني الوحدة والعذاب في دار المسنين لم ترتكب في حقك إثما‏,‏ وأنت أم وتقدرين عذابات الغياب والحرمان‏,‏ فهل لك أن تمدي يد المحبة والحنان‏,‏ وتصطحبي ابنك إلي جدته فنحن نعيش أياما طيبة‏,‏ أدعو الله أن تكوني هنا بالقاهرة وتقرئي تلك الكلمات فتغرسي الفرح في قلب تلك الأم المسكينة وتحولي حزن العيد إلي فرح‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

حرائق الذكريات ... قصص حقيقيه



سـيدي‏..‏ كنت طالبة متفوقة في الثانوية العامة‏,‏ وحصلت علي مجموع كبير أهلني للالتحاق بإحدي كليات القمة‏.‏ وكان هناك زميل في نفس المدرسة الاعدادية والثانوية دائما مايحصل علي المركز الأول‏,‏ وكان هناك نوع من التنافس الشريف بيننا‏,‏ كان مرحا ونشيطا وذكيا‏.‏ وقد أعجبت به كثيرا آنذاك‏,‏ ورأيت منه نفس الإعجاب والاحترام‏.‏ ولكننا كنا نعيش في احدي القري والتي لاتسمح بمثل هذا الاعجاب بين شاب وفتاة‏,‏ وحافظ كل منا علي سره دون البوح به للآخر‏.‏

وكان يوم ظهور نتيجة الثانوية العامة ولم تكن النتيجة مفاجأة لأحد‏,‏ فقد كان الأول كما تعودنا منه بمجموع كبير أهله للالتحاق بإحدي كليات القمة‏,‏ كما نطلق عليها‏,‏ والتحقت أنا أيضا بنفس الكلية ولكن في تخصص آخر‏.‏ وفي يوم تقديم الأوراق إلي مكتب التنسيق بعاصمة المحافظة التي كنا نعيش فيها التقينا معا وجاء وسلم علي بأدب وهنأني بحصولي علي مجموع كبير‏.‏ وهنأته أنا أيضا‏,‏ وشارك كل منا الآخر في كتابة الرغبات‏.‏ وركبنا سيارة الأجرة التي تقلنا إلي قريتنا‏,‏ وأثناء الطريق أخبرني علي استحياء أنه يكن لي مشاعر الود والاحترام فأخبرته أن ذلك قد يسبب لي وله مشاكل كبيرة‏,‏ ولكنه قال إنه أراد فقط أن أعلم ذلك‏,‏ وكدت أقول له إنني أيضا أبادله نفس الشعور‏,‏ لكنني خجلت وسكت‏,‏ وأنا أدرك أنه يفهم ما أشعر به‏.‏

ومرت الأيام وانخرط كل منا في دراسته في كليته‏,‏ وكان كل منا يسافر يوم السبت في الصباح إلي الجامعة ونعود يوم الخميس‏,‏ وكنا أحيانا ما نلتقي بالمصادفة أثناء ذهابنا للجامعة أو عودتنا منها‏,‏ ويعلم الله أننا لم نرتب أي موعد للقاء‏.‏ وشعرت بحبه الشديد لي‏,‏ وكنت أخشي عليه من هذا الحب والتعلق بي‏,‏ فأنا أعلم أن أسرتي لن ترضي إن تزوجني بشاب في مقتبل حياته‏,‏ فهم لاينظرون للعريس إلا من زاوية القدرة المادية والمستوي الاجتماعي وهو من أسرة متوسطة الحال مثل أسرتي وليس جاهزا ولامبسوطا كما يحلو لأسرتي أن تصف من يتقدم لبنت من بناتها‏.‏ ولكنني وجدت نفسي رغما عني أبادله نفس الشعور العفيف‏,‏ وفي احدي المرات تجرأت وطلبت منه أن يبتعد عني‏,‏ لأنني لن أكون له ولكنني أثناء ذلك بكيت فما زاده ذلك إلا تعلقا بي وأخبرني أنه سيحاول‏,‏ وأن الله لن يخيب رجاوه فهو لايقصد إلا الخير‏,‏ وأنه سوف يجتهد في دراسته أكثر وأكثر حتي يرضي عنه أهلي‏.‏وأقسم لي بالله أن يحقق لي كل مايريده أهلي وأكثر وأنه سوف يتفوق أكثر وأكثر من أجلي‏,‏ وبالفعل فقد كان الأول علي دفعته باستمرار في الكلية التي يدرس بها‏.‏ وكلما اقترب موعد تخرجنا شعرت بالخوف من ذلك اليوم‏.‏

وجاء اليوم الذي كنت أخشاه فقد تخرجت وهو أيضا‏,‏ وبعد النتيجة ببضعة أيام ذهبت لاستخراج شهادة من الكلية وتقابلنا بالمصادفة وأخبرني أنه كان الأول علي دفعته وأنه من المتوقع أن يعين معيدا بالكلية‏,‏ وعدنا إلي قريتنا وكل منا تغمره السعادة وهو يري حلمه قد أوشك علي التحقق‏,‏ ودعوت الله أن يرق قلب أهلي لي وله ويباركون زواجنا‏.‏ وبعد شهر تقدم عريس يكبرني بثمانية عشر عاما ووافق أهلي عليه حتي دون مشورتي‏.‏ وعلم هذا الشاب بما حدث فما كان منه إلا أن أرسل والده لأسرتي وحاول والده كثيرا مع والدي ولكن والدي رفض وقارن بين العريس الذي تقدم لي ويملك شقة من غرفتين بأحد الأحياء الشعبية في القاهرة‏,‏ وبين هذا الشاب الذي تخرج حديثا ولايملك شيئا في الوقت الحالي‏.‏ وعاد الشاب وتحدث مع والدي وأخبره أنه سوف يفعل كل مايريده حتي لو اضطر لبيع جزء من جسده‏,‏ ولكن والدي ثار في وجهه وأخبره أن أمامه عشرين عاما حتي يكون نفسه مثل هذا العريس وأنه لا حاجة له بجزء من جسمه ولاجسم غيره‏.‏

وتحدثت مع أمي وأخوتي لكنهم أصروا علي أن هذا العريس لديه شقة وسوف أغادر القرية لأهنأ بالعيش في أم الدنيا وأبتعد عن عيشة الفلاحين والفقر‏,‏ وأنه لاداعي لاختيار هذا الشاب الذي مازال في بداية حياته وأهله فقراء وأمامه مشوار طويل‏,‏ خاصة أن العريس المتقدم لن يكلفهم قليلا ولاكثيرا‏.‏ ورفض الجميع سماعي وحاول الشاب مرة أخري ومرات‏,‏ ولكي ينهي والدي هذا الموضوع زوجني في خلال خمسة أشهر رفض خلالها خروجي من المنزل واشترت أمي لي بعض الملابس والأجهزة البسيطة‏.‏ وانتهي الأمر ووجدت نفسي زوجة أعيش في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة ورضيت بقضاء الله‏.‏ ومرت الأيام وكل يوم اكتشف فروقا كبيرة بيني وبين زوجي ربما يكون سببها الفارق في السن والتفكير‏,‏ وتبخرت الأحلام التي وعدتني بها أمي‏,‏ فزوجي موظف حكومي ومرتبه لايكاد يكفينا ونعيش في شقة ضيقة بحي شعبي لاتكاد تفتح الشباك حتي يطل عليك الجيران كالسجن وربما يكون السجن أهون منه‏,‏ وإذا حاولت مكالمة أسرتي في التليفون تحدث خناقة علي فاتورة التليفون‏,‏ ووجدتني منعزلة عن الناس‏.‏ ومرت الأيام ثقيلة ووجدتني أما لثلاثة أطفال ومحملة بهموم لاحصر لها‏.‏ ومنذ فترة زرت قريتي وأثناء دخولي لإحدي الصيدليات لشراء دواء لأمي إذا بي أقابل هذا الشاب ونظر كل منا للآخر دون أن ينطق بكلمة واحدة‏,‏ وخرج مسرعا ليركب سيارته وينطلق‏.‏ وعلمت بعد ذلك من صديقة قديمة في القرية أنه أصبح مدرسا بالجامعة وأنه حصل علي الدكتوراه من الخارج وتزوج من احدي زميلاتي بالكلية والتي كانت من نفس القرية وتصغرني بعام واحد وأنجب أيضا ثلاثة أطفال‏,‏ ونظرا لتفوقه فقد سافر للعمل في الخارج وكل عام في مثل هذا الوقت يأتي ليقضي الاجازة مع أسرته هو وأولاده في القرية‏.‏ وحينما مررت ببيتهم القديم إذا به قد تحول إلي بيت جميل صغير‏,‏ وكأنه نفس البيت الذي حلمنا به معا‏.‏ وعلمت أيضا أنه اشتري شقة واسعة وجميلة في احد الأحياء الراقية بالقاهرة‏.‏ ووجدت الحلم الذي حلمت به معه يوما قد حققه ولكنه مع غيري‏.‏ ورحت أتجرع آلامي وحدي فوالدي الذي أخذ قرار زواجي بمباركة أخوتي دون أن يسمع لي أحد توفاه الله‏,‏ وأخوتي انشغل كل منهم بحياته وأسرته‏,‏ ولم يعد أحد منهم يزورني إلا كل عام مرة‏,‏ وأمي التي وعدتني بحلم الحياة في مصر المحروسة بعيدا عن الفقر لاترد علي ولاتملك من أمر نفسها شيئا‏,‏ وهكذا ياسيدي ضاع عمري وحلمي وأملي‏.‏ وكلما حاولت نسيان الموضوع وعدم التفكير فيه خوفا من ربي‏,‏ أجد ذلك الهجر والجفاء من زوج تعدي الخمسين من العمر‏,‏ وأتذكر لهفة الآخر واحترامه لي‏,‏ وأتذكر نجاحه وهو الذي تجاوز الثلاثين بقليل وأراه يبدأ حياته بخطي واثقة وأنا أكاد أنهي حياتي وطموحي‏,‏ فتغلبني نفسي البشرية علي التفكير فيما أنا فيه وأدخل في دوامة من الأسي والحزن‏,‏ وأنزوي علي نفسي لا أجد حتي من أشكو إليه همي وحزني سوي ربي‏.‏

ورحت أسأل نفسي لماذا يفعل بنا الآباء هذا؟ ولماذا يؤكدون أنهم يرون ما لانراه؟ وماذا تفعل الفتاة إذا أجبرها أهلها علي الزواج بمن لا ترغب؟ هل تخرج عن طاعة أهلها فتصبح في نظر المجتمع مجرمة وتسبب لأهلها حرجا كبيرا وتعتبر عاصية لله تعالي في نظر المجتمع؟ أم تطيعهم فتخسر حياتها وحلمها ولن يحمل أحد معها همومها أبدا بعد ذلك وسوف يتنكر لها الجميع ولا يصبح هناك حل يرضيها ولا يرضي المجتمع؟ ولماذا يتريث الآباء اذا أرادوا أن يقرضوا شخصا ما مبلغا من المال ولا يتريثون حيث يهبون حياة بناتهم لمن يطرق بابهم متعللين بأنه عريس مبسوط ومستريح؟ وماذا أفعل وأنا لم أعد أستطيع تحمل حياتي ومشاكلي مع هذا الزوج‏,‏ خصوصا بعد رؤيتي لما آل اليه حال هذا الشاب‏,‏ فقد زادت الأمور سوءا وأصبحت أكره حياتي كلها‏.‏ ولأول مرة أشعر بالحقد علي أحد‏,‏ فلقد تمنيت لو أن هذا الشاب كان قد فشل في حياته ولم يحقق شيئا حتي تتحقق نبوءة والدي وحتي يصبح عندي سبب احتمل به حياتي‏,‏ لكنه نجح وحقق كل ما كان يتمناه‏.‏ وأصبحت أحقد علي زوجته التي أخذت حلمي وحصدت كل هذا‏,‏ ولماذا حلمت معه طوال سنوات بهذا الحلم الجميل ثم تقطف ثمرة هذا الحلم فتاة أخري لم تعرف عنه شيئا؟ المجني عليه أنا أم الأهل أم المجتمع وبماذا تنصحني؟


*‏ سـيدتي‏..‏ كثير من الآباء يدفعون أبناءهم إلي الجحيم معتقدين أنه الجنة‏,‏ استنادا الي أفكار قديمة‏,‏ لا تري المستقبل في شاب ناجح طموح اختار أن يطرق الأبواب الصحيحة‏,‏ متجاهلين أن في هذا الاختيار صحيح الدين‏,‏ مفضلين الزوج الجاهز الذي لن يكلفهم شيئا دون الالتفات إلي رغبة الابنة ورفضها‏.‏ هذا الاستبداد في الرأي المستند الي طاعة الوالدين‏,‏ والثقة في حكمة الكبار ـ التي لا تكون صائبة دائما ـ يدفع ثمنها الابناء مثلك‏,‏ ولن أطيل في هذا الحديث لأنه لم يعد يجدي الآن‏.‏

الأزمةحاليا فيك‏,‏ تشتعل حرائق الذكريات داخلك‏,‏ لأنك لا ترين الا ما هو ليس حقك‏,‏ ولا تعرفين اذا كان الماضي هو السعادة التي توقعتيها أم أنه الشقاء الذي لم يكتب لك؟‏.‏

سيدتي‏..‏ إننا نعيش الحياة التي كتبت لنا‏,‏ سواء رسمناها بأيدينا أم بأيادي الآخرين‏..‏ وفي حالة مثل حالتك ليس أمامك الا الرضا بما أنت فيه‏,‏ فأنت أم لثلاثة أبناء‏,‏ وزوجك لم يرتكب جرما عندما اختارك زوجة له‏,‏ ولم يخدع أهلك بما ليس لديه‏,‏ فلماذا تستدعين كل طاقات الغضب والحقد لتسقطيها عليه الآن؟ إن الحياة ـ يا عزيزتي ـ شعلة اما أن نحترق بنارها‏,‏ وإما أن نطفئها ونعيش في ظلام‏..‏ تلك النيران التي نحياها جميعا بأقدار مختلفة أفضل بكثير من الظلام الذي يحاصر روحك الآن‏,‏ ظلام سيحرمك حتي من سعادة زائرة تطل عليك متمثلة في أبنائك‏,‏ وهم يكبرون بين يديك‏,‏ والحكمة التي تختزنينها وتدفعين ثمنها من سعادتك ستعود عليهم حتما عندما تتلافين أخطاء والديك في اختياراتهم في المستقبل ان شاء الله‏.‏ وأذكرك بالحديث الشريف لرسولنا الكريم ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين‏,‏ وجعل الهم والحزن في السخط فلماذا كل هذا السخط‏,‏ إنك تنظرين الي ما في يد حبيبك السابق وزوجته‏,‏ وكأن السعادة كانت تنتظرك في شقة واسعة أو في دخل مادي كبير‏,‏ ويمكنك تلمس الشقاء لدي كثيرين ممن يمتلكون مثل هذه الأشياء‏.‏ تخلصي مما أسميته حقدا لأن الحقد لا يسكن قلب المؤمن‏,‏ وأرضي بعدل الله وقسمته وتجاهلي قسوة سريرك لتنامي جيدا‏,‏ فما أصعب علي الانسان أن يظل شاخصا في موطن الألم‏.‏

اغفري لوالدك حسن ظنه وسوء تقديره‏,‏ وانظري بحب وتسامح الي حياتك‏,‏ ولا تشغلي نفسك بما فات لأنه لن يعود‏,‏ تمني لهذا الشاب الناجح السعادة مع أسرته‏,‏ لأنه لم يخطيء في حقك‏,‏ وتذكري دائما تلك الحكمة التي تعلمنا فن التعامل مع ما نحن فيه حتي لو كان قاسيا ليس الشقاء أن تكون أعمي بل الشقاء أن تعجز عن احتمال العمي‏..‏ أنار الله بصيرتك وطهر روحك وأسعد أيامك مع أسرتك الصغيرة التي تحتاج الي صفاء نفسك ومحبتك‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

فارس الظلام .... قصص حقيقيه



أنا سيدة في الأربعين من عمري‏..‏ لدي أربعة أبناء‏,‏ كلهم في الجامعة الآن‏.‏

كان زوجي رجلا طيبا بمعني الكلمة‏,‏ تزوجته بعد قصة حب وعشت معه في البداية أجمل أيام عمري‏,‏ لكنه انشغل عني بعمله وطموحاته التي لاتنتهي‏,‏ فلم يكن هناك وقت للحب بعد الزواج‏.‏

لكن لابد أن أعترف لك أنه كان يحاول إسعادي بشتي الطرق فهو لم يحملني مسئولية شيء وبرغم إنشغاله الشديد في عمله إلا انه كان يوفر لي وللأولاد كل أسباب الراحة والهناء ماعدا ماكنت افتقده كثيرا وهو الحب الرومانسي‏.‏

لم يكن لدي زوجي وقت لهذا الحب فكنت أشغل نفسي بكتابة الشعر والقصص وأفرغ الكبت الذي أعاني منه في الكتابة‏,‏ فأنا امرأة رومانسية جدا‏,‏ يمتليء قلبي بالحب بما يكفي الدنيا كلها‏..‏ لكني كنت أشعر بأن الحب الذي أخنقه بداخلي يكاد يقتلني وكنت أعرف جيدا أن زوجي يحبني وأنا أحبه‏,‏ لكنه لايمنحني هذا الشعور إلا بمقدار بسيط جدا‏..‏

كنت لزوجي الزوجة والحبيبة والأم والصديقة وهو أيضا لم يكن يعرف غيري في حياته ولم تدخل أي امرأة أخري قلبه‏,‏ كان يقول لي أنت زوجة بكل الزوجات‏,‏ المثني والثلاث والرباع‏,‏ ويصف لي كيف يرتاح معي‏,‏ وكيف أني ذات أنوثة غير عادية ولكنه فقط لايجد وقتا ليسمعني الكلام الحلو الذي أحتاج إلي سماعه‏.‏

ومرت السنوات‏..‏ الأولاد يكبرون وزوجي يزداد انشغالا علي انشغاله وبدأت الكوابيس تطاردني‏..‏ كنت أحلم بأنه مات ودخل رجل آخر حياتي يشبع حاجتي إلي الحب‏,‏ وكنت أصحو من نومي فزعة‏,‏ فيصمم زوجي علي أن يعرف مابي وبماذا حلمت‏..‏ وفي مرة حكيت له هذا الكابوس المتكرر‏,‏ فقال لي إنه يحلم هو أيضا بأنه سيموت دون أن يفرح بأولادنا ولذلك يضاعف عمله حتي يؤمن لنا مستقبلا كريما من بعده‏..‏ والغريبة أنه مرض بعد فترة قصيرة بمرض خطير أودي بحياته‏.‏


اسودت الدنيا في وجهي‏..‏ كنت في السابعة والثلاثين من عمري فترملت مبكرا وأصبحت أحمل مسئولية البيت‏..‏ افتقدت الراحة والارتكان إلي رجل قوي حمل عني كل المسئولية طوال حياتنا معا‏.‏ أصبحت أشعر بالوحدة وبأن برد الدنيا في جسدي‏..‏ إلي أن أصبت بمرض جعلني أتردد علي الأطباء المختصين بدون فائدة حتي قابلت طبيبا طيب القلب وحنونا أخذ بيدي وكأنه ملاك نزل من السماء‏,‏ كان يداوم علي السؤال عني والاهتمام بحالتي فكنت كلما رأيته أحسست أن قلبي يرتجف وكنت ياسيدي أراه بحكم الجيرة كل يوم فهو يسكن في نفس الشارع الذي أسكن فيه‏.‏

لا أدري ماذا حدث ولكني وجدت نفسي مشدودة إليه‏..‏ أنتظر اللحظة التي يهل فيها علي ويركن سيارته وينزل منها إلي بيته بفارغ الصبر‏..‏ ينتفض قلبي وتطفو البهجة علي ذاتي ثم سرعان ما أفيق علي الحقيقة‏,‏ سيذهب هو إلي زوجته وأولاده وأظل أنا وحيدة في الشرفة أتجرع حزني ووحدتي بدونه‏!‏

مرت الشهور‏..‏ مر أكثر من عام وأنا أتعذب بحبي له‏,‏ حتي ذهبت مرة إليه في عيادته للكشف علي فوجدته ينظر إلي بحنان ويتحدث معي بتودد لم أعهده فيه فأحسست انه عرف كم أحبه وانه يبادلني نفس الشعور‏,‏ في اليوم التالي اتصلت به وقلت له‏:‏ أريد أن أراك لأني منهارة‏.‏ وفي عيادته لاحظ كم أنا منكسره فطلب مني ألا أنكسر هكذا أبدا لأي سبب من الأسباب وأخذ يدي واحتضنها فارتميت في صدره أبكي‏..‏ اعترفت له أنني أحبه وأتعذب بحبه فقال لي انه هو أيضا يحبني منذ زرته أول مرة‏.‏

وتواعدنا علي الحب طول العمر ووعدني ألا يتركني أبدا فهو لايستطيع أن يبتعد عني‏..‏ وتكررت لقاءاتنا وكلما التقيت به أغيب من السعادة علي صدره وأقول له‏:‏ أنا لا أريد من الدنيا شيئا أكثر من هذا يكفيني حنانك وحبك‏.‏

أما هو فقد أقسم لي علي انه سيعوضني عما عانيته في حياتي‏..‏ عشنا علي حلم أن يكبر أولادنا ونتزوج‏,‏ وكنت أتساءل هل أنا أنانية لأنني لم أفكر في زوجته وشعورها إذا عرفت بقصة حبنا‏,‏ ثم أعود وأتغافل عن السؤال وأقول أنا لم أقصد أن أضرها ولم أعرف انه متزوج قبل أن أهبه قلبي وكل كياني‏.‏

المشكلة ياسيدي انه يطلب مني الآن أن يخرج من حياتي لأنه اكتشف ان زواجنا مستحيل طالما بقيت زوجته معه‏..‏ لكنها لو توفيت ـ لاقدر الله ـ سيرتبط بي فورا‏..‏ أحيانا يكون صلبا في موقفه هذا وأحيانا يضعف ويحتضنني ويقول لي انه يحتاجني في حياته بشدة وفي كل الأحوال أري حبي في عينيه‏..‏

لا أعرف لماذا بعد كل هذا الحب يأتي الفراق؟ لماذا يحرمني القدر من الحب بهذه القسوة‏..‏ لماذا يظلمني حبيبي ويظلم نفسه؟ ماذا أفعل ياسيدي‏,‏ لقد أصبحت أعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم لشدة حزني عليه‏..‏ أرجوك أن تخفف عني ولاتجرح مشاعري ساعدني علي تخطي حزني ولاتظلمني أو تظلمه‏,‏ لعلي أجد في رأيك شفاء ودواء‏..‏ خاصة وأنا أشعر أنني سأموت قريبا‏.‏



*‏ غريب أمر الإنسان منا‏,‏ لايرضي أبدا‏,‏ كثيرون يحلمون بدخول القلعة المحاصرة‏,‏ والبعض يحلم بالخروج من هذه القلعة ـ أما الصنف الثالث فهو مثلك‏,‏ كان يعيش في قلعة بها عوامل كثيرة للسعادة‏,‏ ولكنه لم يكتف بها فظل يحلم بقلعة أخري‏,‏ وعندما شاءت الأقدار أن تفتح الأبواب هام علي وجهه بحثا عن حلم خادع‏,‏ فإذا ما فشل اتهم الأقدار بأنها تحرمه من السعادة‏!‏

هكذا أنت ياسيدتي‏,‏ كنت تعيشين مع رجل أفني عمره سعيا لإسعادكم‏,‏ وكان يغدق عليك بكلمات الحب‏,‏ معتذرا برقة عن ضيق الوقت الذي لايسعفه كي يعبر لك عن عظيم حبه‏.‏

لم يرضك هذا الواقع الجميل‏,‏ فهربت إلي الأحلام بحثا عن سعادة كاملة في خيالك فقط‏,‏ جاهلة أن السعادة في حياتنا دائما منقوصة‏,‏ وأننا نخطيء كثيرا عندما لانستمتع بالسعادة التي نحياها‏,‏ معتقدين أنها تختبيء في مكان آخر تنتظر أن نختطفها‏.‏

لقد كنت مهيأة ياسيدتي للوقوع في الحب مع أول طارق‏,‏ فحلمك يسكنك‏,‏ نداهة في داخلك تجذبك نحو مجهول يطاردك في الحلم‏,‏ صورة رومانسية سينمائية‏,‏ قد تخيب إذا قررنا عمدا تحقيقها‏.‏ مشاعرك التي أطلقتها إصطدمت بالطبيب بعد مرواغات إستمرت عاما كاملا‏..‏ وجدك في صدره منهارة‏,‏ فأطل الحب الذي صنعته باللاوعي‏,‏ إنها السعادة المجانية المؤقتة التي قدمتها له راضية‏,‏ فلم يرفضها وعندما تحول الأمر إلي حديث عن الزواج‏,‏ تحول الحب إلي تسويف ووعود بالزواج بعد تخرج الأبناء‏..‏ وتحول الحب إلي قيد‏,‏ فقدت المغامرة كثيرا من فورتها وثورتها‏,‏ واصطدمت بألم قادم‏,‏ بمواجهة مع واقع في قلعة مستقرة مثل قلعتك السابقة‏,‏ وهو لايريد الخروج منها‏,‏ هو الآخر كان يريد استكمال سعادته دون أن يدفع أي ثمن‏,‏ وعندما طالبته بالثمن‏,‏ إختار الهرب‏.‏

ليس حبا ياسيدتي‏,‏ فالحب لايعرف الظلام‏,‏ وإذا أوجد مبررات لهذا الظلام‏,‏ فإنه يصبح خداعا وزيفا‏.‏

لا أريد أن أصدمك في أحلام انقضت‏,‏ ولكن عليك أن تستيقظي وتتنازلي عن أنانيتك‏,‏ وتتذكري أن لك أبناء في حاجة إليك بعد رحيل والدهم الحنون‏.‏ لا أقصد بذلك أنه لم يعد لك حق في الحياة والزواج‏,‏ ولكن إفعلي ذلك فاتحة عينيك‏,‏ لأن إغماضهما لن يأتي بذلك الفارس الذي لا يأتي إلا في الأحلام‏,‏ فكل فارس يتحقق في الواقع‏,‏ سيجعلك تبحثين عن آخر لايأتي أبدا إلا في الظلام‏.‏

البيرونى - شخصيات علميه




نبذة عن البيرونى
البيروني كما يظهر على طابع قديم من الاتحاد السوفيتي


ابو الريحان محمد بن احمد الخوارزمي الملقب ببرهان الحق . فيلسوف ومؤرخ وطبيب وكيميائي ورياضي وفلكي ومنجم خوارزمي . ولد في خوارزم في عام 973 م ، وتوفي في بغداد عام 1051 م.
ولد في قرية من ضواحي مدينة كاث عاصمة دولة خوارزم. ولكن لا يعرف نسبته على وجه التحديد، كما أشار هو نفسه بقوله "أنا في الحقيقة لا أعرف نسبتي... ولا أعرف من كان جدي".

نشأ في خوارزم ودرس فيها علوم النبات على عالم اغريقي ، ثم تركها في حوالي سن العشرين الى سواحل بحر قزوين فرارا مما الم بها من اضطرابات. وفي موطنه الجديد التقى باستاذه الثاني ابي سهل عيسى المسيحي . وبعد ذلك طوف البيروني ، وعاش سنوات كثيرة في فارس والهند ، ودرس فلسفتها بالاضافة الى الفلسفة الاغريقية . وقد اشاد بالاخيرة اذ قال : ان الفلسفات الاخرى لم تنجب مثل سقراط . َ
وينسب البيروني الى بيرون ( الآن في باكستان ) ، وقد كانت له محاورات كثيرة مع ابن سينا . وتدل محاوراته على حدة مزاجه ، وعلى صعوبة حياته في بدئها . وقد اكثر في مراسلاته من الشكوى ، ولكن حياته تحسنت بعد ذلك حين استقر في البلاط الغزنوي . َ
وقد اثر الرازي بشدة في البيروني حتى الف عنه كتابا، ولكن البيروني لم يستطع ان يوافق الرازي تماما في معتقداته. وكان البيروني شيعيا ثم انقلب سنيا ، وكان شديد التعصب لجنسه ، والاحساس بقوميته ، والافتخار بذاته. ومع ذلك فقد صرح بان عربية زمانه اقدر على نقل علوم زمانه من فارسيتها ، وقد كتب البيروني بالعربية حوالي نصف مؤلفاته ، ولكن كانت له تحفظات خصوصا على الكتابة العربية وكان يشكل اسمه كلما كتبه بفتح الباء واتسكين الياء. َ
ومع عمق افكار البيروني ، اتسم اسلوبه في العربية بشدة التعقيد والايجاز . وقد اهمل البيروني في عصره ومن بعد ذلك في المشرق الاسلامي ، ولم يعرف قط في الاندلس ، ولم يترجم الى اللاتينية في العصور الوسطى . فلم تعرفه اوربا الا في القرن التاسع عشر الميلادي ، ولم ترتفع مكانته بين العرب الا بعد ارتفاعها في الغرب . وهو عند روزن « لا مثيل له في الادب العلمي القديم او الوسيط في الشرق او الغرب » . وقد اطلق المستشرق الفرنسي سارتون على زمانه ، أي من منتصف القرن 10 الى منتصف القرن 11 م ، اسم « عصر البيروني » . َ
وقد ألف البيروني في الرياضيات والفلك والتنجيم والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والصيدلة والطبيعيات وغيرها من العلوم . وقد وصف ياقوت الحموي تراثه بانه كان يفوق حمل بعير. كما يعد البيروني من اعظم العلماء الموسوعيين في كل العصور . وقد قدرت مؤلفاته بحوالي 180 مؤلفا ما بين كتاب ومقالة ورسالة . واهم هذه المؤلفات ( استخراج الاوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني الواقع فيها ). وقد حدد البيروني فيه طول وتر الدائرة ، واوجد وتر العشر فيها. وحدد جيب 18ْ ، فقدره بما يساوي 0.30915 وهو في جداولنا الحاضرة 0.3090 ، كذلك اشتغل لبيروني باوتار الاقواس ، فاوجد قيمة وتو 20ط/9=0.68404027 ، وهي في جداولنا الحاضرة تساوي 0.68404028 ، وقد حاول البيروني تثليث الزاوية . واوجد معادلة لحساب نصف قطر الارض قاعدة البيروني وهي : س = (ف-جنان)/(1-جنان) . َ
كذلك الف البيروني ( القانون المسعودي في الهيئة والنجوم ) , وقد حذا فيه حذو مؤلفات بطليموس ، وجعله من مقدمة وثلاثة اجزاء . ويشتمل ( القانون المسعودي )على 11 مقالة و135 بابا. ويبحث الجزء الاول منه (4 مقالات ) في الكون والاثير والارض والتقاويم ). والثاني (4 مقالات ) في البلدان والمسافات وحركات الشمس والكواكب والكسوف والخسوف . والثالث ( 3 مقالات ) في صور السماء . وقد قيل انه لما اهدى البيروني كتابه للسلطان مسعود ، سير له السلطان ثلاثة جمال محملة بالفضة ، فردها له البيروني قائلا انه انما يخدم العلم للعلم لا للمال.
ومن مؤلفات البيروني في الفلك ( العمل بالاسطرلاب ) و ( تقاليد الهيئة ) ، وكذا رسائله ( المتفرقة في الهيئة ) التي جمعت 11 رسالة مختلفة منها ( اقامة البرهان على الدائرة للبوزجاني ) و ( كيفية تسطيح الكرة للصاغاني ). وللبيروني في التنجيم ( التفهيم لاوائل صناعة النجوم ) ، وفي الجيوكيمياء ( الجماهر في معرفة الجواهر ) الذي يتألف من قسمين . الأول منهما لغوي ، يبحث في كل ما قيل في الجواهر والفلزات من ادب وشعر . والثاني يرتب الاحجار الكريمة الى ياقوت ، وبدخشي ، وبياجاذي ، والماس ، وستياذج ، ولؤلؤ ، وزمرد ، وفيروز ، ويقسم الفلزات الى زئبق ، وذهب ، وفضة ، ونحاس ، وحديد ، واسرب ، وخارصين ، وشبة ، ونحاس ابيض ، ونحاس مسبوك . وقد اهدى البيروني كتابه ( الجماهر ) للملك ابي الفتح مودود بن مسعود . وقد حدد البيروني الوزن النوعي لثمانية عشر معدنا وحجرا، وانكر امكان تحويل المعادن ، وتجاهل الخواص السحرية للاحجار . َ
وقد انتقل الينا من مراسلات البيروني مع ابن سينا حوالي 20 رسالة . وله في التاريخ العام ( الآثار الباقية عن القرون الخالية ) الذي لقي تقديرا كبيرا في اوربا . وله عن الهند الى جانب ( راشيكات الهند ) كتاب تاريخي شهير هو ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة او مرزولة ). وقد عرف البيروني ان سهول الهند كانت مغمورة بالمياه ، وان رواسب البحر قد ترسبت فوقها . والى هذا قام البيروني بمحاولات جادة لتسطيح الصور ، وتبسيط رسم الخرائط الجغرافية . َ
وقد الف البيروني في الصيدلة ( كتاب الصيدلة في الطب ) الذي يتضمن خصائص العقارات المستخلصة من النباتات والاعشاب والحيوانات والمعادن . وفي الكتاب فصول عن واجبات واعمال الصيدلي .

ابن خلدون - شخصيات علميه







نبذة عن ابن خلدون


ولي الدين ابو زيد عبد الرحمن بن محمد الاندلسي الحضرموتي . مؤرخ تونسي . ولد في تونس عام 1332 م ، وتوفي بالقاهرة عام 1406 م . نشأ ابن خلدون في تونس من اصل اندلسي حضرموتي محبا للدراسة والعلوم ، طموحا للمناصب الرسمية ، وممارسا قديرا لدسائس بلاطات شمالي افريقيا والاندلس . َ
وقد تعرض ابن خلدون بسبب مطامعه السياسية لسخط السلاطين والحكام ، فسجنه سلطان فاس ابو عنان المريني سنتين وتراوحت حظوظه عند امراء تونس وبجاية وبسكرة وتلمسان وفاس وغرناطة وانفقت ايامه في المغرب بين الوزارة والتشريد . َ
انقطع ابن خلدون عام 1375 م في قلعة ابن سلامة قرب واحة بسكرة لكتابة مقدمته المشهورة ، وهناك قرر قراره على نبذ حياته السابقة والفرار الى الشرق ، فتذرع بالرغبة في الحج ، وغادر المغرب في 1382 م ، أي في الثانية والخمسين من عمره ، الى تونس ثم الى مصر . فأقام بالاسكندرية ثم بالقاهرة ، وخدم فيها السلطان برقوق وابنه السلطان فرج . وفي هذه الاثناء استدعى اسرته من المغرب الى الاسكندرية ، ولكن السفينة التي تنقلهم غرقت خارج الميناء ، ففقد في الحادث اسرته كلها . وقد اثر هذا في نفس ابن خلدون حتى اعتزل العالم بسببه عدة اعوام في الفيوم . َ
وفي عام 1400م كان ابن خلدون في دمشق عندما حاصرها تيمور لنك قائد التتار ، وكان ابن خلدون ضمن وفد العلماء الذي خرج من المدينة لمفاوضة تيمور . ويقول ابن خلدون في مذكراته ، ان تيمور اعجب به ودعاه للدخول في خدمته . ويحكي انه ، اي ابن خلدون ، قد حمل لتيمور هدية فيها شيء من الحلوى . وبالفعل بقي ابن خلدون في خدمة تيمور شهورا كلفه فيها كتابة وصف مختصر لبلاد المغرب فكتب ابن خلدون ( مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس المنصفة القطع ) غير ان موجزه هذا لم يصل الينا . َ
وفي عام 1401 م عاد ابن خلدون الى مصر لخدمة السلطان فرج وبقي فيها حتى وفاته . ولكن حياته بالاسكندرية والقاهرة لم تخل من اضطراب ، اذ عين واعفي عن منصبه كقاضي قضاة المالكية ست مرات . وكان المصريون يشكون من شدته وكبريائه وجهله باحكام الشرع وقلة فهمه . وكان يسود القضاة في ذلك العهد فساد واضطراب . ويقول ابن خلدون انه حاول ما امكنه تحقيق العدالة في امثل وادق صورها ، ولكنه لم يكن يتورع عن الامر بضرب المتقاضين وسجن الشهود . وقد ادت صرامته هذه ، وربما ميله عن الهوى والاغراض ، الى حقد الكثيرين عليه واتهامه مختلف الاتهامات . وقد توفي ابن خلدون في القاهرة ودفن في مقبرة الصوفية خارج باب مصر ، غير ان مقبرته لا تزال مجهولة . َ
وقد كتب ابن خلدون سيرة حياته بقلمه تحت اسم ( التعريف بابن خلدون في المغرب والمشرق ) . وقد عرض ابن خلدون في سيرته لكل ما مر به من حوادث دون ان يحاول ، على ما قال ( كراتشكوفسكي ) ، اظهار شخصيته في ضوء اكثر ملاءمة مما يشهد له حقا بالامانة وشرف الضمير . َ
واستهدف ابن خلدون في كتابة مقدمته وضع علم جديد في الحضارة البشرية هو علم الاجتماع . وقد حاول في هذا العلم تفسير التاريخ ، لا على انه قدر محتوم لا حيلة للانسان فيه ، وانما على اساس دراسة الاوضاع الاقتصادية والجغرافية للجماعات البشرية ، بدوية او حضرية او مدنية . فهو واضع علم الاجتماع ، ورائد من رواد العلوم السياسية وأحد واضعي اسس المادية التاريخية . وهو القائل : « فإن اجتماعهم - يقصد الاجيال البشرية - انما هو للتعاون على تحصيل معاشهم ، واختلافهم في احوالهم انما هو لاختلاف محلهم في المعاش » . َ
وقد حاول ابن خلدون في مقدمته تفسير التاريخ على انه حلقات دورانية منتظمة من البداوة الى الحضارة . وقال ان للدول اعمارا كاعمار البشر . وحاول تلخيص المعارف القديمة واستخلاص نتائج ونظريات لم يلتفت اليها من سبقوه ، مثل تأثير المناخ في الوان البشر ، وتأثيره في اخلاق الشعوب ، واثر الخصب والجوع في ابدان الناس واخلاقهم . َ
ومن القوانين التي استخدمها ابن خلدون في مقدمته « انه اذا استقرت الدولة وتمهدت قد تستغني عن العصبية » و « ان للدول اعمارا طبيعية كما للاشخاص » و « ان المغلوب مولع ابدا بالاقتداء بالغالب » و « ان الفلاحة معاش المستضعفين » و « ان رسوخ الصنائع في الامصار انما هو برسوخ الحضارة وطول امدها ». ومع ذلك فقد عيب عليه انه قد استمد قوانينه من دراسة عصور معينة وعن معرفته بتواريخ شعوب محدودة . َ
وتؤلف ( مقدمة ابن خلدون ) الجزء الاول من كتابه ( العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر ) . ويرمز لتاريخه هذا وللاجزاء الاربعة الاولى من ذلك التاريخ باســــم ( العبر ) . وهي تضم تاريخا عاما للانسانية يلتفت بوجه خاص لدول العرب والمسلمين وتاريخ شعوب البربر في شمال افريقيا. اما الجزءان الخامس والسادس فيعتبران كتابا قائما بذلته . فقد خصصهما ابن خلدون للعرب الهلالية الذين دخلوا المغرب في منتصف القرن الحادي عشر ، ثم لتاريخ شعوب البربر وتاريخ المغرب العام . وتتفاوت فوائد هذه الاجزاء ، ولكن الفصول التي عالج فيها ابن خلدون تاريخ البربر وتاريخ المغرب العام من احسن واوفى ما كتب في هذا الموضوع . َ
وقد أخذ ابن خلدون في التاريخ عن ابن هشام والواقدي والبلاذري وابن عبد الحكم والطبري والمسعودي وابن الاثير وابن العميد . ونقل في الجغرافيا عن بطليموس مثلما نقل عن الادريسي والبكري والمقدسي وابن حوقل والعذري. وفي تقسيم ابن خلدون للعلوم تراوح بين المفهوم الاغريقي ومفهوم اخوان الصفا ، وقد افتقر في هذا التقسيم عموما الى الاصالة والمنهجية . وقد ابتعد ابن خلدون في اسلوبه عن السجع والمشابهة والاستعانة بالمحسنات البديعية واللفظية ، وتميز هذا الاسلوب بالبساطة والتواضع ، ولكنه احتوى احيانا على الفاظ عامية بل وعلى اخطاء نحوية

ابن النفيس - شخصيات علميه


ولد بدمشق في سوريا عام 607هـ على وجه التقريب ونشأ وتعلم بها وفي مجالس علمائها ومدارسها ، وقيل أن اسمه القَرشي نسبة إلى القرش، ذكر ابن أبي أصيبعة أنها قرية قرب دمشق . وتذكر دائرة المعارف الإسلامية أنه ولد على مشارف غوطة دمشق، وأصله من بلدة قُريشية قرب دمشق . تعلم في البيمارستان النوري بدمشق. كان ابن النفيس معاصراً لمؤرخ الطب الشهير ابن أبي أصيبعة، صاحب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء)، ودرس معه الطب على ابن دخوار ، ثم مارسا الطب في المستشفى الناصري لسنوات. وقد درس ابن النفيس أيضا الفقه واللغة والمنطق والأدب.

سافر ابن النفيس من دمشق إلى مصر ليمارس الطب في المستشفى الناصري، ثم انتقل ليعمل في المستشفى المنصوري الذي أنشأه السلطان قلاوون. هناك أصبح عميدا للأطباء. كما أصبح لشهرته طبيب السلطان بيبرس في ذلك الوقت. وكان مجلسه مفتوحا في داره ويحضره أمراء ووجهاء القاهرة وأطباؤها. كان أب النفيس أعزبا ولا أولاد له فحين بنى داره في القاهرة أغدق في بنائها، وفرش أرضها بالرخام حتى إيوانها. وقيل في وصفه أنه كان نحيفا طويل القامة أسيل الخدين. وكان ذا مروءة ومجلسه كله علم. ولم تقتصر شهرته في الطب فقط، بل كان يعد من كبار علماء عصره في اللغة، والفلسفة، والفقه، والحديث.

اشتهر ابن النفيس بين علماء دمشق والقاهرة من بعدها وعرف عنه نبوغة في الطب، وكان دائم البحث والتواصل مع علماء عصره وعمل ابن النفيس كثيرا في أبحاث الطب وجسم الإنسان والبدن ومن أشهرها اكتشافه الدورة الدموية الصغرى وشروح في الطب والمعالجة. وكان يستقبل المرضى في داره في دمشق ويقيم التجارب. واشتهر بمؤلفاته الطبية، ولا يعرف على وجه الدقة تاريخ انتقاله إلى القاهرة إلا أنه يمكن تقدير ذلك في الفترة بين عام 633هـ (1236م) وعام 636هـ (1239م) وبقي حتى وفاته في القاهرة عام 687هـ . وقد أوقف داره وكتبه وكل ما له على المستشفى المنصوري في القاهرة


من أهم ما خلفه ابن النفيس (الموجز) وهو ملحق لقانون ابن سينا (وشريح تشريح القانون)، وفيه بدء التشريح المقارن، ويشير في مقدمته إلى مصادره التي نقل عنها.
امتاز منهج ابن النفيس بأصالة الرأي واستقلال الفكر، واعتمد في دراساته على المشاهدة والتجربة. أما المشاهدة فمعناها تتبع الظواهر واستخلاص الحقائق الكاملة عنها. وأما التجربة فهي خلق حالات يتحكم فيها العالم من أجل دراسة تأثير عامل معين.. وكثيراً ما ترتبط ظاهرة ما بعوامل عدة، فيلجأ الباحث إلى إجراء التجربة التي لا يسمح فيها إلا بتغير عامل واحد، بينما يتحكم هو في العوامل الأخرى ويثبتها..
فإذا قلنا مثلاً أن حجم الغاز يتغير بتغير درجة حرارته وبتغير ضغطه، فإن العالم يستطيع، عن طريق التجارب، أن يثبت درجة الحرارة ليدرس العلاقة القائمة بين الحجم والضغط .. وعلى هذا النحو كان عمل ابن النفيس في مجال الطب، إذ ركز أبحاثه على دراسة الظواهر والعوامل المؤثرة في الجسم، أكثر من اهتمامه بموضوع الطب العالجي فكان بذلك أول من صنف هذا النوع من الدراسة، مما جعله رائداً وعالماً في وظائف الأعضاء..
من أهم ما أنجزه ابن النفيس أعمال من سبقوه وأخضعها للمشاهدة والتجربة.. فأخذ السليم منها، والذي يماشي الطبيعة ويطابق الواقع، ونبذ ما لم يقبله عقله. وهذا ما ساعده على أن يسبق أهل عصره بعد ما وضع نظريات وآراء يأخذ بها العلم الحديث.
قال ابن النفيس أن الدم يخرج من البطين الأيمن للرئتين، حيث يمتزج بالهواء، ثم يعود إلى البطين الأيسر.. وهذه هي الدورة الدموية الصغرى التي بها ينقى الدم في الرئتين من أجل استمرار الحياة واكتساب الجسم القدرة على العمل.
وعلى هذا النحو يعد ابن النفيس المعلم الأول الذي نقل عنه الطبيب البريطاني (هارفي) مكتشف الدورة الدموية الكبرى عام 1628م.
جدير بالذكر أن الرأي الذي كان سائداً قبل ابن النفيس هو أن الدم يتولد من الكبد، ومنه ينتقل إلى البطين الأيمن في القلب ثم يسري بعد ذلك في الأوردة ومنه إلى مختلف أعضاء الجسم فيغذيها ويجدد فيها النشاط والحيوية..
ومن الأفكار القديمة أن قسماً من الدم يدخل البطين الأيسر عن طريق مسام في الحجاب الحاجز حيث يمتزج بالهواء المقبل من الرئتين، وينساب المزيج إلى مختلف أعضاء الجسم.. وبذلك لم يعرف أطباء القرون الوسطى حقيقة الدورة الدموية لكن ابن النفيس عارض تلك الآراء ونقضها، وعلى رأسها أراء جالينوس وابن سينا .. وبذلك يكون ابن النفيس قد وضع أساساً عظيماً في مجال الطب باكتشافه الدورة الدموية الصغرى التي على أثرها تطور الطب وتقدمت وسائل العلاج حتى عصرنا الحاضر..

فيثاغورث - شخصيات علميه


فيثاغورس
ولد هذا المفكر حوالي عام 580 ق.م في جزيرة ساموس في بحر ايجه، باليونان، وجزيرة ساموس كانت إحدى المراكز التجارية المهمة في ذلك الوقت ، كما امتازت بثقافة مميزة. وهذا أتاح لفيثاغورس، وهو ابن رجل ميسور، أن يتلقى أفضل تعليم ممكن آنذاك ، وحين بلغ السادسة عشرة من عمره بدأ يظهر نبوغه حتى عجز أساتذته عن الإجابة على أسئلته. لذا انتقل للتتلمذ على يد طالس الملطي، أول إغريقي أجرى دراسة عملية للإعداد.
أسس فيثاغورس مدرسته حوالي 529 ق.م في كروتونا، وهي ميناء إغريقي جنوب إيطاليا كان مزدهراً في تلك الحقبة، فالتحق بها عدد كبير من الطلاب. وكانت مدرسته أقرب لأن تكون فرقة دينية من أن تكون مدرسة بالمفهوم الصحيح للكلمة. كان أعضاؤها يتعارفون بإشارة سرية، ويتشاركون في تملك جميع الأشياء، كما تعاهدوا على أن يعاون بعضهم بعضاً.
تعرف نظرية فيثاغورس التي اقترنت باسمه، وتنص على أنه في المثلث قائم الزاوية، ويكون مربع الوتر، أي الضلع الأطول، مساوياً لمجموع مربعي الضلعين الآخرين. واكتشف أيضاً مجموع الزوايا الثلاث لأي مثلث يساوي زاويتين قائمتين.
كما يعتقد بعضهم أنه هو الذي فكر في جدول الضرب المعروف، بالرغم من عدم وجود ما يثبت ذلك.
افتتن فيثاغورس بالأرقام، وأشهر أقواله: (كل الأشياء أرقام). وليس ذلك قولاً شاذاً، كما قد يبدو لأول وهلة، وأن كل شيء في العالم إنما يتكون من أعداد من الذرات مرتبة بأشكال مختلفة. كان فيثاغورس يفكر أن الأعداد لها أشكال كالتي نراها في (زهر) الطاولة، وفكرة تسميته الأعداد (مربعة) أو (مكعبة) إنما هي فكرته هو.
لم يكن فيثاغورس مولعاً بالأعداد والهندسة فحسب وإنما بالعلوم الأخرى المعروفة، فضلاً عن شغفه بعلوم الدين لم تكن هناك كتب آنذاك منتشرة، فقد كانت الطريقة المفضلة لمواصلة الدراسة هي الارتجال ولقاء العلماء.
قضى فيثاغورس عدة أعوام في مصر. وفي الخمسين من عمره كان قد تعلم الكثير فأراد إنشاء مدرسة ليعلم الآخرين.
كانت دروس فيثاغورس تتناول درجات الحكمة الأربع: الحساب، الهندسة، الموسيقى، الفلك، وواجبات الإنسان نحو الآخرين، والدين ، وكان يفرض على طلابه ممارسة فضائل المروءة والتقوى والطاعة والإخلاص، أي كل ما كان ينادي به المجتمع الإغريقي المثالي.
الحياة النقية في رأي فيثاغورس، تعني حياة التقشف. وهناك عدد من القواعد التي وضعها كانت أشبه بالطقوس الدينية وعلى سبيل المثال كان محظوراً على تلاميذه أن يقلبوا النار بقضيب من حديد، أو يلتقطوا ما وقع على الأرض، كانت الموسيقى لدى فيثاغورس ذات أهمية بالغة.
من تعاليم فيثاغورس أن الأرض والكون مستديران، ولهذا فإن التعليم المتكامل هو الذي يجمع بين الدراسة العلمية والقواعد الأخلاقية والدين.
كان تدريس فيثاغورس خليطاً من التصوف والتحليل العقلي. وانغمس الفيثاغورسيون في السياسة، وكانوا كلما اكتسبوا مرتبة أو سلطاناً أظهروا الاحتقار للجماعات الجاهلة التي لا تستطيع أن تحيا حياة التأمل الرفيعة. وأدى ذلك إلى سقوطهم بعدما ثار الناس عليهم.
توفي فيثاغورس في الثمانين من عمره، وظلت تعاليمه ونظرياته تزداد انتشاراً !!
بعد مائتي عام أقام مجلس الشعب (البرلمان) تمثالاً لفيثاغورس في روما تكريماً وتقديراً وعرفاناً بوصفه حكيماً إغريقيا كبيراً.