رائحــة العطــــر .. قصص حقيقيه



أنـاسيدة شارفت علي الأربعين من عمري‏..‏ متزوجة منذ ما يقرب من‏18‏ عاما‏.‏ زوجي رجل أعمال ناجح‏,‏ شاركته رحلة كفاحه منذ بدايتها‏,‏ وكان زواجنا عن حب وتفاهم‏,‏ أنجبنا خلال زواجنا طفلين صارا محور حياتنا‏.‏

ولأن زوجي هو سبب كتابتي إليك‏,‏ فسأتحدث عنه قليلا حتي تكتمل الصورة‏..‏ فهو منذ صغره‏,‏ طموح‏,‏ يحب النجاح‏,‏ يسعي إلي الشهرة‏,‏ مقابل ذلك علي استعداد لأن يفعل الكثير‏.‏ لاشئ يمكن أن يحول بينه وبين ما يريد تحقيقه‏..‏ عنيد إلي درجة قد تدفعه إلي التضحية بأي شئ من أجل الانتصار لوجهة نظره أو رغبته‏.‏ في نفس الوقت‏,‏ إنسان عاطفي حنون‏,‏ ومهذب‏.‏ قضيت معه أحلي سنوات عمري‏,‏ كان كريما ورقيقا معي إلي أقصي حد‏,‏ حتي أني في كل صلاة كنت أشكر ربي علي نصيبي وعلي زوجي الذي لم أحلم يوما بأفضل منه‏.‏


خلال السنوات التي مضت‏,‏ لم يكن يشغل زوجي سوي عمله‏,‏ ينتقل من نجاح إلي آخر‏,‏ يشملنا أنا وابنيه بكل محبة وعطاء‏,‏ وأنا بدوري كنت أقف خلفه وبجواره داعمة لكل خطواته‏.‏ ولكن يبدو أن الأيام تخفي في قلب السعادة التي تمنحنا إياها‏,‏ بذور الشقاء‏,‏ لتنبت بعد ذلك أشجارا للألم والحسرة والندم‏.‏

كان هذا منذ عامين‏,‏ عندما لامس زوجي الخامسة والأربعين من عمره بدأت ألحظ عليه تغيرات تفهمها المرأة‏,‏ اهتمام مبالغ فيه بمظهره‏,‏ بالعطر‏,‏ بنظرة متأملة لنفسه في المرآة‏,‏ تنعكس علي عينيه فتلمعان‏,‏ فتنتشي روحه ويغادرني دون أن تصمد علي وجهي عيناه غير ثوان قليلة‏,‏ ليس هربا مني ولكن لرغبته في الاحتفاظ بحالته‏,‏ دون أن يكدرها صوت ضميره‏,‏ أو حوار يخرجه عما هو عليه‏.‏

إنه الحب ياسيدي‏,‏ زوجي‏,‏ حبيبي‏,‏ أبو ابني‏,‏ يعيش حالة حب‏,‏ في هذا الوقت‏,‏ بعد كل هذا العمر‏,‏ وبعدما منحته له من عمري وشبابي‏.‏ في اللحظة الأولي التي استقر في وجداني هذا الاكتشاف المفزع‏,‏ لم يشغلني من هي تلك المرأة التي سرقت مني زوجي‏,‏ لم أنشغل في البداية بالبحث عنها‏,‏ وهل هي أجمل أو أصغر مني؟‏..‏ كل ما شغلني هو التأكد من هذا الإحساس‏,‏ كنت مثل المريض الذي يعرف أن مرضه خطير‏,‏ ولكنه يرفض أن يسأل الأطباء بإلحاح عن مرضه‏,‏ ويقبل راضيا كل الكلام المطمئن عن حالته‏.‏

قد يكون إحساسي خاطئا‏,‏ سعيد هو لأسباب أخري‏,‏ صفقة جديدة‏,‏ أي شئ آخر‏,‏ غير أن تكون امرأة أخري قد دخلت حياته لتسعده وتشقينا‏.‏ أسرعت إلي دولاب ملابسه‏,‏ أفتش في جيوبه‏,‏ أتشمم رائحة العطر المتراكم علي بدله‏,‏ أفتش في أوراقه‏,‏ لعلي أجد شيئا يبرد ناري‏,‏ ويؤكد ظني‏.‏

ارتحت كثيرا عندما لم أجد شيئا‏,‏ تسللت بداخلي سعادة كاذبة‏,‏ لأن إحساسي الأكبر بوجود تلك المرأة طغي علي كل الأصوات بداخلي‏.‏

انتظرته كمن ينتظر الحكم بالبراءة‏,‏ ما أن أطل علي‏,‏ حتي انقضضت عليه بكل دلال الأنثي‏,‏ أفتش في عينيه ومسام جلده عن الحقيقة‏,‏ دون جدوي‏,‏ أبدي اندهاشا من تصرفاتي‏,‏ وحاول أن يستفسر عما يدور بداخلي ولكني آثرت تأجيل المواجهة ولم يطل انتظاري‏.‏

ذات صباح‏,‏ كنت علي موعد مع والدتي‏,‏ فتركت زوجي في الشقة يستعد للذهاب إلي عمله‏,‏ وإبني يستعدان للذهاب إلي الجامعة والمدرسة‏,‏ خرجت متوجهة إلي الأسانسير‏,‏ هبط من أعلي‏,‏ دخلت فوجدت به جارتنا التي تسكن فوقنا‏,‏ فنانة معروفة‏,‏ ألقيت عليها السلام‏,‏ واستوقفتني بشدة رائحة عطرها النفاذة‏..‏ هي تسكن معنا في نفس العمارة‏,‏ وليس بيننا سوي التحية إذا التقينا‏.‏ زوجي لايحبها‏,‏ انطباعه عنها سيئ‏,‏ ربما لأنها تزوجت ــ رسميا ــ ثلاث مرات‏,‏ كلها زيجات من نجوم في الوسط الفني‏.‏

ذهبت إلي أمي وقضيت يومي وعدت إلي البيت في انتظار زوجي العزيز‏,‏ لم تمض دقائق حتي فوجئت به يطل علي ومعه دليل الإدانة‏,‏ رائحة زوجي‏,‏ هي نفس رائحة تلك الفنانة‏..‏ عطر لا تخطئه أنف‏,‏ سارعت بمساعدته في خلع جاكت البدلة وكل هدفي أن أقتنصه‏,‏ أقربه من أنفي أكثر‏,‏ تأكدت من ظني‏,‏ فاجأته‏:‏ من أين لك بهذا العطر النسائي؟‏..‏ بهت‏,‏ تلعثم‏,‏ أين‏,‏ ماذا‏,‏ ماهذا التخريف‏,‏ عطر نسائي؟‏..‏ أكيد رائحة أحد من المترددين علي المكتب‏..‏ انت بتشكي في ولا إيه‏..‏

لم أرد وانسحب هو بهدوء‏..‏ رفض تناول الطعام‏,‏ جلس يشاهد التليفزيون‏,‏ وأنا في بركان من الغضب والغيرة‏,‏ أخطط لخطواتي القادمة‏.‏

انتظرت حتي ذهب زوجي إلي النوم‏,‏ وعندما تأكدت من أنه غارق في أحلامه‏,‏ امتدي يدي لأول مرة إلي موبايله أفتش فيه‏,‏ وجدت رقما واحدا متكررا في الاتصال والاستقبال‏,‏ كما وجدت من نفس الرقم رسائل غرامية‏,‏ فجن جنوني وكدت أفتك به وهو نائم‏,‏ ولكني تمالكت نفسي وقررت أن أتصل بالرقم حتي لا أترك فرصة للظنون‏,‏ اتصلت فردت علي تلك الجارة‏,‏ الفنانة‏,‏ قلت لها‏:‏ هذا الرقم علي هاتف زوجي‏,‏ فقالت لي أنها لاتعرف زوجي‏,‏ وإنها وجدت هذا الرقم علي هاتفها فاتصلت به‏.‏

كاذبة هي‏,‏ أعلم ذلك‏,‏ ولكني قررت أن أخوض معركتي مع زوجي‏,‏ انهمرت دموعي‏,‏ انكسرت نفسي‏,‏ وشعرت بمهانة حقيقية‏,‏ توجهت إلي مرآتي‏,‏ لعلي كبرت في العمر‏,‏ كيف وهي تكبر زوجي بأكثر من سبع سنوات؟‏..‏ ماذا لديها ليس عندي؟‏..‏ هل أخبر ابني‏,‏ أخبر أهله‏,‏ أصر علي الطلاق؟‏!‏

أحسست بوحدة وفزع كبيرين‏..‏ مر علي الليل كأنه قرن‏,‏ حتي استيقظ زوجي وأصابه الفزع عندما رأي وجهي الذابل ودموعي التي لاتتوقف‏..‏ سألني ما الأمر؟

قلت له‏:‏ ما علاقتك بفلانة‏..‏ كرر اسمها عدة مرات‏,‏ وقال لاشئ‏,‏ لا أعرفها‏..‏ قلت له أنت كاذب‏,‏ لقد عرفت كل شئ من موبايلك وكلمتها أيضا‏.‏ ثار في وجهي‏,‏ وجعل المسألة خيانة مني لأني فتشت في هاتفه‏,‏ وقال لي إنها أوهام وانصرف غاضبا‏.‏

سيدي‏,‏ لن أطيل عليك في التفاصيل‏,‏ المهم أني أخبرت أهله وتدخلوا في المشكلة لإنهائها بهدوء‏,‏ وبعد فترة اكتشفت أنه تزوجها عرفيا‏,‏ وأنها نجحت في التسلل إلي أهله‏,‏ حتي أصبحت تزورهم وتتودد إليهم‏,‏ فقبلوا بوجودها في حياتهم‏,‏ فيما أنا كان علي الاختيار إما القبول بالأمر الواقع أو طلب الطلاق‏,‏ فاخترت الثاني‏,‏ ولكن زوجي رفض بإصرار‏,‏ وقال لي إنه يحبني ولن يفرط في حبنا وتاريخنا‏,‏ وإنها نزوة ستنتهي‏.‏ وبعد فترة أخبرني أنه طلقها‏,‏ وأحسست بصدقه‏,‏ ثم عاد كما كان‏,‏ مواعيد مرتبكة‏,‏ أراه وهو يصعد إليها‏,‏ أعرف أنه لديها الآن‏,‏ أتخيل ما يحدث بينهما‏,‏ أنفجر فيه‏,‏ كيف تشعر بهذه المرأة‏,‏ وهي التي تزوجت من كثيرين بنفس الطريقة‏,‏ وتستنزفك ماديا‏,‏ فيقول لي إنها تسعدني وتفعل لي أشياء ممتعة‏,‏ حتي أنها تخلع لي حذائي أمام عائلتي‏,‏ وتقدم لها أثرياء عرب ونجوم الفن ورجال أعمال ورفضتهم من أجلي‏.‏

خارت قواي ولكني استثمرت انقلاب أهلها عليها‏,‏ فسارعت بلقاء ابنها الشاب وأخبرته بزواج أمه من زوجي‏,‏ فقال لي إنه يراه في البيت وكان يعتقد أنه مجرد صديق‏,‏ وسيطالبهما إما اعلان الزواج وإما إنهاؤه‏.‏

استبشرت خيرا‏,‏ ولكن لم يحدث شئ‏,‏ فزوجي يخبرني أحيانا أنه طلقها وفي أحيان أخري يخبرني بعودته لها‏.‏

سيدي‏..‏ لقد وهنت‏,‏ ضعفت مقاومتي‏,‏ أحس ابناي بما يحدث وأصابهما الاكتئاب‏,‏ وأصبحا يهربان من البيت‏..‏ فماذا أفعل؟


هل أصر علي الطلاق وأنجو بنفسي من هذا العذاب؟ أم أواصل معركتي مع هذه المرأة لاستعادة زوجي؟‏..‏ وهل هو يستحق مثل هذه المعركة ومثل هذه التضحيات؟‏..‏ هل سأثق به مرة أخري‏,‏ وهل ستعود السعادة إلي بيتنا؟‏..‏ لم أعد أعرف ماهو الصواب وما هو الخطأ؟‏!‏


بعض الرجال تصيبهم أزمة نفسية بعد تجاوزهم سن الأربعين‏,‏ يكتشفون فجأة أنهم قضوا عمرهم جريا وراء النجاح والثروة‏,‏ وأن ما تبقي علي الخمسين قليل‏,‏ فيبحثون عن سعادة أخري‏,‏ تجعلهم يشعرون بأنهم مازالوا قادرين علي لفت الانتباه أو التأثير في امرأة أخري‏,‏ في نفس الوقت الذي قد تهمل فيه الزوجة‏,‏ ولا تهتم بنفسها أو بزوجها كما كانت‏,‏ مطمئنة إلي رصيدها من العطاء عبر السنين‏,‏ لتصحو فجأة علي زوجها وهو في علاقة أو متزوج بفتاة صغيرة‏,‏ تثبت له أنه مازال فارسا صغيرا‏.‏

أما زوجك‏,‏ فقد لجأ إلي طريق آخر يرضي غروره ويشبع الجانب الاستعراضي في شخصيته‏,‏ ذهب إلي ممثلة‏,‏ قالت له إنها تحبه‏,‏ وإنها ترفض الكثيرين الذين يتهافتون عليها من أجله‏,‏ ولا أستطيع أن أكذبها فربما تكون صادقة في مشاعرها‏,‏ ولكن ما يمكن أن أستشفه هو أن زوجك لايحبها وأنها مجرد نزوة ستنتهي‏..‏ ولكن هل عليك أن تظلي قابعة في بيتك مهانة مهزومة حتي ينتهي سي السيد من نزوته؟

لا ياسيدتي‏,‏ لقد كان أفضل لزوجك‏,‏ والد الشابين‏,‏ أن يتأكد من مشاعره‏,‏ فإذا كان في حاجة إلي زواج بأخري‏,‏ عليه أن يعترف بذلك‏,‏ ويعلن زواجه رسميا بدلا من الزواج السري كالمراهقين‏,‏ ووقتها يترك لك حرية الاختيار الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان‏.‏

وأقول لزوجك تذكر أنك أب لشابين‏,‏ فكيف تري انعكاس تصرفك عليهما‏,‏ هل سيكونان سعيدين لأنك تركت أمهما وأهنتها من أجل امرأة تزوجت الكثيرين غيرك لمجرد أنها ممثلة معروفة؟‏..‏ أم سيقلدانك في المستقبل؟

وماذا يمكنك أن تفعل معهما إذا فوجئت بأحدهما مقلدا لك متزوجا عرفيا من زميلته؟‏!‏

إن الحياة لاتمنح للإنسان كل شئ‏,‏ وقد وهبتك الكثير‏,‏ ولكن أنانيتك وطمعك وتشبثك بما ليس من حقك‏,‏ دفعتك إلي هدم كيان عائلي سعيد ومستقر لمجرد نزوة‏,‏ فهل تفيق قبل أن تفقد ثقة زوجتك وابنيك وتندم في وقت لن تجدهم بجوارك وأنت في أشد الحاجة إليهم‏.‏

أما أنت ياسيدتي‏..‏ إذا أصر زوجك علي موقفه‏,‏ ولم يبد ندمه علي تصرفاته‏,‏ ولم يطلق هذه المرأة‏,‏ أو يعلن زواجه بها ــ إذا رغبت في ذلك وقبلته ــ فليس أمامك إلا الإصرار علي الانصراف من تلك الحياة حتي لاتفقدي نفسك وتحطمي ولديك بلا ذنب اقترفاه سوي أن أباهما يعيش نزوة‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.