جروح الروح ... قصص حقيقيه


بـريــد الأهــرام


تزوجت منذ‏19‏ عاما‏,‏ من شاب متواضع في كل شئ‏,‏ شكلا‏,‏ وعائلة‏,‏ ووظيفة‏,‏ قبلت به لأنه كان علي خلق ودين‏.‏ ضحيت من أجله‏,‏ فساعدته في كل شئ منذ بداية زواجنا‏.‏ وافقت علي الشقة الصغيرة‏,‏ وعلي الأثاث البسيط‏,‏ وعلي الراتب القليل‏,‏ وقلت له راتبي مع ما تتقاضاه سيوفران لنا حياة كريمة‏.‏

الحقيقة عشنا سنواتنا الأولي في سعادة وهناء‏,‏ ورزقنا الله طفلتين خلال أربع سنوات‏,‏ وكانتا وش السعد علينا‏,‏ فقد تلقي زوجي عقد عمل بالخارج براتب رائع‏.‏ وسافر شهورا وتركنا وحدنا‏,‏ حتي هيأ المسكن المناسب لنا ولحقنا به‏.‏

استمرت سعادتنا في الغربة‏,‏ كان زوجي حنونا‏,‏ رائعا‏,‏ يراعي الله في كل تصرفاته‏.‏ خمس سنوات قضيناها هناك‏,‏ وبعد أن أصبح لدينا رصيد طيب في البنوك‏,‏ عدنا إلي أحضان مدينتنا لنبدأ من جديد‏.‏

افتتح زوجي مشروعا يديره‏,‏ وطلب مني الجلوس في البيت لأتفرغ له وللأبناء‏,‏ فقبلت عن طيب خاطر‏,‏ وكان الله كريما معنا إلي أقصي حد‏.‏ تزايد نشاطه التجاري‏,‏ وزادت الأموال‏,‏ فاشترينا شقة جديدة واسعة في مكان راق‏,‏ وسيارتين واحدة له‏,‏ وواحدة بسائق لنا‏.‏ وبالتالي اختلف مستوي الملابس والعطور وكل ما يمكن تخيله‏.‏

كنت أسجد في كل صلاة شاكرة لله نعمه‏,‏ وإكرامه لي بهذا الزوج الرائع وهاتين البنتين‏.‏ لم أكن أدري أن القدر اختزن لي الكثير من الأحزان والابتلاء‏.‏

منذ ثلاث سنوات تقريبا تغيرت حياتي تماما‏,‏ في تلك اللحظة التي تسرب إلي الشك في زوجي‏,‏ بل قل اليقين في أنه يعرف امرأة أخري‏.‏ لاحظت في البداية أنه بدأ يهمل في أداء الصلوات‏,‏ وأنه يغيب عن البيت طويلا‏.‏ وإذا عاد‏,‏ يكون عصبيا‏,‏ حاد المزاج‏,‏ يغلق صوت هاتفه‏,‏ ويجعله ملاصقا له‏,‏ ثم يلتفت إليه كل فترة‏,‏ وفجأة يمسك به‏,‏ تتراقص عيناه وهو يقرأ رسالة‏,‏ ثم يمحوها في لحظة‏,‏ وينقلب حاله‏,‏ إما أن يصبح أكثر غضبا‏,‏ أو يتحول إلي عادته مبتسما ودودا‏.‏

ارتبت في الأمر‏,‏ وإن لم يكن بين يدي دليل‏,‏ حتي عندما انتهزت فرصة نومه وفتشت في هاتفه‏,‏ لم أجد شيئا‏,‏ فقد كان شديد الحرص والذكاء‏.‏

انتفضت حاسة الأنثي بداخلي‏,‏ خاصة بعد مبالغته في الاهتمام بملابسه‏,‏ وخروجه المتكرر في المساء‏,‏ ومبيته في الخارج بزعم أن لديه أعمالا في محافظات أخري‏,‏ وهذا كله لم يكن يحدث في السابق‏.‏

بدأ القلق يتسرب إلي‏,‏ فهرب النوم من عيني‏,‏ وعرف الشحوب والذبول طريقهما إلي وجهي وجسدي‏,‏ وهو غافل لايري أي تغير حدث لي‏.‏ وكان قلقي هذا وسهري الليل طريقي الأول في اكتشاف علاقته بأخري‏,‏ عندما غادر الفراش معتقدا أني غارقة في النوم‏,‏ وتسلل إلي دورة المياه ومعه هاتفه‏,‏ فتسللت خلفه‏,‏ وتسمعت صوته يهمس بكلمات‏.‏ فأسرعت إلي فراشي‏,‏ وعندما عاد‏,‏ ادعيت أني استيقظت وسألته‏:‏ هل كنت تحدث أحدا‏,‏ فقال لي ضاحكا‏:‏ واضح إنك بتحلمي‏.‏

كنت أتمني أن يقول لي إنه تحدث إلي أحد أصدقائه‏,‏ ولكن إنكاره أكد لي صدق إحساسي‏.‏

لن أقول لك إني بدأت أشتم من ملابسه بعد عودته رائحة عطور نسائية‏,‏ وأنه بدأ يهجرني في الفراش طويلا‏.‏ فهذه أشياء بسيطة يمكن التشكيك فيها‏.‏ ولكن ما اكتشفته بعد ذلك أكد لي خيانته الكاملة‏.‏

فكرت أن أواجهه‏,‏ ولكني خشيت من الصدمة‏,‏ أصابني الفزع أن يقول لي إنه تزوج بأخري‏,‏ أو أن ينكر تماما‏.‏ كان علي التأكد أولا‏.‏

لجأت إلي تجنيد سائقه بالأموال‏,‏ فاعترف لي بأن الأستاذ لديه شقة أخري‏,‏ لا أعلم عنها شيئا‏.‏ وأنه يلتقي فيها بامرأة‏,‏ لايعرف السائق مدي علاقته بها‏.‏ عرفت العنوان‏,‏ وذهبت أنتظر بعيدا في ليلة أخبرني أنه سيبيت في الخارج‏,‏ وبعد أن اطمأننت لخروجه من العمل‏,‏ ذهبت لأراه بنفسي‏,‏ برفقة فتاة صغيرة تزيد قليلا في عمرها عن عمر ابنتي‏.‏

كدت أجن‏,‏ هل أصعد إليه وأفجر له فضيحة‏,‏ فتذكرت ابنتي‏,‏ وأيامنا الجميلة‏,‏ كما أن أخلاقي وتربيتي لاتسمحان بهذا‏,‏ فانسحبت بهدوء ألملم بعضي‏.‏

انهرت ــ ياسيدي ــ أياما لا أقدر علي الكلام‏.‏ لم يفكر لحظة واحدة في أني اكتشفت أمره‏.‏ فكرت ألف مرة في مواجهته‏,‏ ولكن ماذا تجدي المواجهة‏,‏ هل سيعترف؟ وإذا اعترف فهل سأوافق علي الحياة معه بعد ذلك؟ وأين أذهب بابنتي؟ لقد تزوج أشقائي‏,‏ ورحل والداي‏,‏ وضاع عملي‏,‏ فهل بعد كل ما بنيته أتركه له لأواجه مصيرا مجهولا؟

قد تلومني علي موقفي هذا‏,‏ ولكن تخيل فتاتين في عمر ابنتي‏,‏ ماذا يمكن أن يحدث لهما عندما يعرفان أن أمهما تركت أباهما لأنه خائن؟

هل يمكن أن تفهم إحساس امرأة تجاوزت الأربعين‏,‏ مطعونة في أنوثتها من رجل أحبته ومنحته كل شئ؟

لم يتغير شئ منذ هذه الواقعة‏,‏ سوي أن زوجي استبدل بتلك المرأة الصغيرة بأخري‏.‏ وأنا لا أحرك ساكنا‏,‏ انفصلت عنه جسديا‏,‏ فأنا لا أطيق أن يقترب مني‏,‏ وكأنه استراح إلي هذا الحل‏,‏ فلم يناقشني فيه‏.‏ اخترت أن أعيش بلا روح من أجل ابنتي‏,‏ وكل ما أخشاه أن تصدما في أبيهما‏.‏ أحافظ علي صورته قدر استطاعتي‏.‏ ولكني أدعو عليه في كل صلاة أن ينتقم الله لي ويجعلني أري عدالته في حياتي‏.‏

تمنيت بعد قراءتي قصة الشبح أن يظهر له مثله‏,‏ فيسرق النوم من عينيه ويعذبه بقدر عذابي الذي أحس به كل لحظة‏.‏ وأحتسب صبري وتحملي عند الله سبحانه وتعالي‏,‏ فهو المنتقم الجبار‏.‏

*‏ سيدتي‏..‏ أقدر ألمك واحترمه‏,‏ وأشعر بالعجز لأن الكلمات مهما عبرت لا يمكن لها ان تداوي جروح الروح‏.‏ ولا يوجد ألم أقسي من ألم الخيانة‏,‏ وتزاد القسوة عندما تأتي الخيانة ممن أحببناهم ووهبناهم أجسادنا وأرواحنا‏.‏

وإذا كانت الحكمة تقول من الافضل أن يكون امامك أسد مفترس‏,‏ علي ان يكون خلفك كلب خائن‏,‏ فما بالنا والذي بجوارنا في الفراش‏,‏ الذي يسكن بيتنا ويأكل طعامنا‏,‏ وأب لبناتنا هو الخائن‏!‏

ألم فوق ألم يجتاحك‏,‏ ولكن ليس امامك إلا مواجهة هذا الالم مهما تكن قسوته‏,‏ لأن كل شئ في الدنيا يئول الي انقضاء‏.‏ واسمحي لي ان ابدأ كلامي معك انت الضحية‏,‏ واسمحي لي ايضا بأن ألومك لانك قبلت هذا الوضع وتحاملت علي نفسك‏,‏ وتأخرت في مواجهة الداء حتي استفحل‏,‏ فانا في العلاقات الزوجية‏,‏ أفضل المواجهة منذ البداية‏,‏

فمن كان يدريك‏,‏ ربما لو واجهته بما تحسين وتلمسين‏,‏ لعاد الي رشده وأقلع عن خطاياه‏,‏ فلشريكنا في الحياة حق علينا أن نرده عن معصيته‏,‏ إن لم يكن من باب الحفاظ علي هذا الكيان‏,‏ فمن باب المحبة والخوف عليه من انتقام الله سبحانه وتعالي‏.‏ وإن كنت لم تفعلي هذا منذ البداية‏,‏ فعليك أن تخففي من اثقالك الآن وتواجهيه بكل مالديك‏,‏ دون ان تشركي الإبنتين في هذه المواجهة‏.‏

قد أبدو مثاليا في رأيي هذا‏,‏ ولكني استند الي فقه بعض المتصوفة‏,‏ في انك عندما تثق في عدل الله وتدعوه أن ينتقم لك ممن آذاك‏,‏ فالأولي أن تدعو له بالهداية‏,‏ فالقادر علي الانتقام قادر علي الهداية‏,‏ إذا كنت قد ارتضيتي العيش معه من أجل طفلتيك‏,‏ فالأولي أن تفعلي ذلك وهو يعرف انه عار امامك‏,‏ معروف بجرائمه وخطاياه‏.‏

وأقول لزوجك وأمثاله‏:‏ لماذا عندما تغرك الدنيا بمباهجها‏,‏ ويفيض الله عليك بخيره‏,‏ تسارع إلي معصيته‏,‏ بدلا من الاكثار من طاعته‏.‏

هل تعرف أن الله لا يحبك؟ أليس هو القائل في كتابه الحكيم إن الله لا يحب الخائنين‏.‏ وهل تعرف معني ألا يحبك الله‏,‏ وأن تخرج من رحمته؟‏!.‏

إن كل متع الدنيا زائلة‏,‏ وما تعرض له وما يعانيه صاحب قصة الأسبوع الماضي الشبح معرض له كل خائن‏,‏ فـ من خان الله في السر‏,‏ هتك الله سره في العلانية‏..‏ فهل تحب أن تصل إلي هذه المرحلة‏.‏

لو كنت تزوجت من تلك الفتيات‏,‏ لهانت الخيانة‏,‏ وأصبحت في حق الزوجة فقط‏,‏ ولكني أشك في هذا ـ علي الرغم من حسن نية زوجتك ـ فمن يتزوج سرا خشية الله‏,‏ لن ينقطع عن عبادته ويتوقف عن صلاته‏.‏ فالمعصية لا تأتي إلا بمعصية‏,‏ حتي تكتمل دائرة المعاصي حول مرتكبها فتدميه‏.‏

سيدي‏..‏ لم يفت الوقت بعد‏,‏ مثل تلك الزوجة العاقلة‏,‏ ستغفر وتسامح‏,‏ وأبواب السماء لا تغلق أبدا في وجه التائبين‏,‏ فهل تسارع قبل فوات الفرصة‏,‏ وتجد نفسك ملوما محسورا‏..‏ أتمني ان تفعل ذلك‏..‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.