تحية المساء .. قصص حقيقيه


بريد الاهرام - الاستاذ عبد الوهاب مطاوع

أنا سيدة في الرابعة والثلاثين من عمري‏..‏ ولي قصة أريد أن أرويها لك وأن تشاركني فيها‏..‏ فأنا أقرأ بريد الجمعة منذ أكثر من عشر سنوات‏..‏ وكثيرا مافكرت في الكتابة إليك في مواقف عصيبة عديدة شهدتها حياتي إلي أن جاءت الآن اللحظة المناسبة‏..‏ ولأبدأ من البداية فأقول لك إنني نشأت بين أبوين طيبين وشقيق يكبرني بعامين‏..‏ أما أبي فإنه رجل جاد في حياته‏..‏ وشغل مناصب قيادية ويمزج بين الشدة والحنان في تعامله مع أفراد أسرته‏,‏ وأما أمي فربة بيت جامعية تؤمن بزوجها في كل شيء ولا تري رأيا مخالفا لرأيه وقد تفرغت لأسرتها منذ ارتبطت بأبي‏..‏ ونعم الاثنان معا بحياة زوجية موفقة‏.‏
وفي بداية مرحلة الدراسة الجامعية‏..‏ خفق قلبي لأول مرة لشاب من أبناء الجيران وارتبطت به عاطفيا‏..‏ وعانيت مرارة الإحساس بالذنب تجاه أبي وأمي لخيانتي لثقتهما في وأردت أن أتخلص من هذه المعاناة بعد تعمق الحب في نفسي فصارحت أمي بتعاهدي مع هذا الشاب علي الزواج عقب التخرج‏.‏ وطلبت منها أن تمهد لي عند أبي لكي يقبل بقراءة الفاتحة بين أسرتي وأسرة هذا الشاب‏..‏ لكي يصبح حبنا علنيا ومشروعا‏..‏ فنتقابل تحت أعين أسرتينا‏..‏ بدلا من لقاءاتي المختلسة معه في الشوارع أو في بيوت الجيران المشتركين خلال زياراتي لصديقاتي بها‏.‏
ففوجئت بثورة أمي العارمة ضدي ورفضها القاطع لهذا الاختيار‏..‏ وتهديدها لي بفضح سري لدي أبي لكي يعاقبني عقابا صارما علي فعلتي‏..‏ وانهرت وسألتها عن سبب هذه المعارضة الحادة‏..‏ فأجابتني بأن هذا الشاب وإن كان من أسرة طيبة إلا أنه من فرعها الفقير ولا يملك شيئا ويعيش مع أمه علي معاش أبيه ولن يستطيع حتي ولو انتظرته عشر سنوات كاملة أن يدبر إمكانات الزواج‏,‏ وبكيت لأمي كثيرا ورجوتها أن تقف إلي جانبي بدلا من أن تستعدي علي أبي وصارحتها بأنني أحبه منذ سن السابعة عشرة وأنه متدين ومستقيم وطيب ويتحمل مسئوليته عن أمه ويعمل في الإجازة الصيفية ليوفر مصاريف دراسته‏..‏ وأنه ليس ذنبه أن أباه قد مات وهو في الخامسة عشرة ولم يعد له نصير في الحياة‏..‏ ولسوف يكافح ويسافر بمجرد تخرجه بعد شهور للعمل في الخارج ويبني مستقبله إلخ‏..‏ فلم يؤثر استعطافي لها شيئا‏..‏
وتصاعدت الأمور بعد ذلك سريعا وفوجئت بأبي الذي لم يضربني ذات يوم‏,‏ ينهال علي بالضرب المبرح ويمنعني من الذهاب للجامعة بل ويأتي بنجار ليغلق نافذة غرفة نومي التي تطل علي مسكن الشاب ولم يكتف بذلك وإنما هدده بالضرب والإيذاء إذا لم يكف عن محاولة الاتصال بي‏..‏
وبعد أيام سمح لي أبي بالخروج وتوجهت للجامعة‏..‏ وأنا خائفة‏..‏ والتقيت بهذا الشاب‏..‏ فصارحني بأنه مازال يتمسك بي ويعرف أنه لن تكون له حياة مع أية فتاة أخري سواي‏..‏ لكنه لا يريد لي الأذي ولهذا فإنه سوف يقطع كل صلة له بي حرصا علي‏,‏ وسيظل في نفس الوقت مقيما علي حبي وسيظل نظره معلقا دائما بالنافذة المغلقة ليشعر بأنه معي في كل وقت‏..‏ وبكي في الشارع وهو يقول لي إنه يعذر أبي في هياجه عليه إذ ماذا يملك شاب يتيم فقير مثله لكي يقدمه لإبنته ؟ وبكيت معه‏..‏ وأقسمت له أنه لن يمسني بشر سواه‏,‏ وأنني سأظل انتظره إلي أن يتغلب علي ظروفه ويتقدم لي ولو بعد عشر سنوات‏,‏ ورفضت كل محاولاته لاعفائي من هذا العهد‏..,‏ وأفترقنا وأنا أذكره بعهدي له‏..‏ وأطلب منه أن يراقب نافذة غرفتي كل ليلة لكي يتلقي مني تحية المساء‏..‏ وهي إطفاء نورها وإضاءته ثلاث مرات متتالية‏..‏
وعدت إلي حياتي بعد ذلك وكففت تماما عن الإشارة لموضوع هذا الفتي مع أمي‏,‏ واكتفيت بتسقط أخباره عن طريق صديقاتي من بنات الجيران حيث يزور أخوتهم‏..‏ ويعرفنه جميعا ويحترمنه‏.‏ وواظبت علي تحية المساء كل ليلة في موعدها‏.‏
وفي عامي الجامعي الأخير تقدم لي شاب ممتاز من أقارب أمي فرفضته بلا تفكير‏..‏ ورفضت مجرد الحديث في موضوعه وثارت أمي علي واتهمتني بأنني مازلت علي صلة بجارنا الشاب‏..‏ وأبلغت أبي بشكوكها فهاج من جديد وانهال علي ضربا وركلا حتي أصبت بالإغماء‏..‏ وتوجه إلي بيت هذا الشاب وإنهال عليه وعلي أمه سبا ولعنا وتمادي لأكثر من ذلك فصفعه صفعة مدوية أمام أمه‏..‏وصرخت الأم باكية فهدأ ابنها من روعها ولم يفقد أعصابه ولم يزد عن أن قال لأبي إنه يظلمه وإن الله سبحانه وتعالي يعلم أنه مظلوم ولهذا فهو يفوض أمره إليه وحسبه الله وهو نعم الوكيل‏,‏ كما إنه لن يخرج علي حدود الأدب معه حتي ولو خلع حذاءه وضربه‏.‏ فبهت أبي وانصرف مضطربا وروي لأمي كما عرفت فيما بعد ماحدث وقال لها أنه يشعر بالخوف من نظرة القهر والغلب في عين هذا الشاب بعد أن ضربه‏..‏ فانعقد لسانه وهرول خارجا من مسكنه وهو مشفق علي نفسه من أن تدعو أمه عليه بسوء وانتهت هذه الأزمة في النهاية برفضي للخطيب المرشح لي‏..‏ وبعد عام آخر تكررت القصة بنفس تفاصيلها ورفضت خطيبا آخر بإصرار دون إبداء أية أسباب‏,‏ وهاجت أمي وأبي من جديد وكررا نفس الاتهام لي بانني مازلت علي علاقة بجاري الشاب‏..‏ وانهال علي أبي مرة أخري ركلا وصفعا وبالرغم من ندمه علي مافعل مع هذا الشاب في الأزمة السابقة فلقد كرر نفس المأساة وتوجه إلي بيته وانهال عليه وعلي أمه بالتهديد والوعيد‏..‏ وفقد السيطرة علي نفسه مرة ثانية وصفع فتاي بقوة‏..‏ وهم بتكرار الصفع فأمسك الفتي بيده بقوة وقال له إنه قادر علي الدفاع عن نفسه‏..‏ ورد الأذي بمثله لكنه لا يسمح لنفسه بذلك لأنه في مقام والده‏..‏ وإكراما للجيرة التي لم يرعها هو‏..‏ وإكراما أيضا لأنه والد الفتاة التي كان يتمني من كل قلبه أن يتزوجها‏.‏ ورجع أبي من عنده واجما‏..‏ وراح الفتي يكفكف دمع أمه وعيناه تدمعان حزنا وتأثرا‏.‏
وازددت إصرارا علي موقفي‏..‏
وتخرجت في كليتي وعملت بمساعدة أبي في وظيفة إدارية في إحدي شركات الفنادق الكبري‏..‏ ووجدت نفسي قد تخطيت الرابعة والعشرين وأعمل‏,‏ ومن حقي أن أفكر في حياتي الخاصة‏..,‏ فصارحت أمي بأنني لن أتزوج إلا من اختاره قلبي منذ سن السابعة عشرة وحرمت نفسي منه طوال السنوات الماضية إلتزاما بوعدي لها ولأبي‏..‏ ورجوتها أن تستأذن أبي في استقبال جاري مع أسرته لطلب يدي‏..‏ خاصة وقد عمل بقرية سياحية بالغردقة‏..‏ وتحسنت ظروفه المادية بعض الشيء‏..‏ وأملت أن تكون الأعوام قد ألانت المواقف المتصلبة‏..‏ ففوجئت برفض أبي وإعلانه لي ولأمي أنه يفضل أن أصبح عانسا علي أن يقبل زواجي من شاب تحدي إرادته‏!‏ وعبثا حاولت اقناعه بأن أحدا منا لم يتحد ارادته وأننا قد قطعنا علاقتنا بالفعل منذ أكثر من‏4‏ سنوات دون جدوي‏!‏ وضقت بهذا الموقف المتعنت‏..‏ فلجأت إلي عمي وطلبت منه أن يستضيفني عنده بعض الوقت‏..‏ وأن يتدخل بيني وبين أبي‏..‏ واستمع عمي إلي قصتي ووعدني بمحادثته ولكن بعد أن يلتقي بجاري أولا ويتأكد من أخلاقياته وجديته‏,‏ وزار عمي بيت جاري خلال إجازته الشهرية من عمله بالغردقة وجلس إليه وإلي أمه واستمع منهما لما فعله بهما والدي علي مدي‏3‏ سنوات وأكثر‏..‏ وتأثر بظروف هذا الشاب والتزامه الخلقي وبره بأمه وصبره علي ماناله من أبي‏..‏ ووعده بمساندته والتقي بالفعل بأبي وصارحه بأنني أرغب هذا الشاب وأنه لا شيء يمنعني من الزواج منه ضد إرادته إلا رغبتي في ألا أخرج عن طاعته وأنه من الحكمة أن يكون مرنا معي لكيلا يدفعني دفعا لشق عصا الطاعة عليه‏,‏ وزكي فتاي عنده‏,‏ وشاركه أخي الوحيد الذي كان قد حصل لتوه علي الماجستير في هذا المسعي وشهد لأخلاقياته واستقامته وبعد عذاب طويل قبل أبي بزواجي من هذا الشاب قبول الكاره المضطر وقيد موافقته بأنه لن يجهزني للزواج ولن يشتري لي أي أثاث إلا بعد أن ينجح هذا الشاب في الحصول علي شقة مستقلة عن مسكن أمه‏..‏ وأيدته أمي في موقفه المتحفظ بدعوي اختبار صدق نية فتاي تجاهي وأنه ليس طامعا في مال أبي‏!‏
وتمت خطبتي له في أضيق الحدود وبحضور عمي فقط من أهل أبي وبدا أبي خلال حفل الخطبة واجما متحفظا وكذلك أمي‏..‏ لكن فرحتي بالرغم من ذلك كانت طاغية‏.‏
وسعيت لدي مديري لنقل خطيبي من القرية السياحية التي يعمل بها في الغردقة الي الشركة التي أعمل بها‏..‏ ووفقني الله في مسعاي بعد أن علم مديري بقصتنا القديمة وقابل خطيبي واقتنع به وبمؤهلاته‏.‏
ولم يسترح أبي لوجودنا في نفس المكان فطالب خطيبي بعقد القران علي وجه السرعة‏..‏ وعقدنا قراننا في نفس الجو المتحفظ‏,‏ وبعد القران بعدة أسابيع سألت نفسي عما يدعوني للانتظار أعواما أخري حتي يستطيع خطيبي توفير مسكن مستقل لنا‏..‏ وفي مقدوري أن أقيم معه في شقته القديمة وهي واسعة ومريحة وأمه سيدة طيبة وتحبني وتشفق علي مما تحملته من أجل ابنها وأستأذنت أبي في ذلك علي استحياء فقال لي في ضيق افعلي ماتشائين بنفسك‏..‏ فلقد يئست منك نهائيا‏!‏
وبالرغم من تصريحه لي بالانتقال إلي بيت زوجي إلا أنني كرهت كعادتي أن أفعل شيئا لا يرضي عنه رضاء تاما‏..‏ وتمسكت بألا أخرج من بيتي إلا حين يأذن لي بذلك بنفس راضية‏,‏ وحدثت أمي في الأمر‏..‏ فأعلن لي موافقته واشتري علي وجه السرعة بعض الملابس والأدوات المنزلية‏..‏ وأدوات المطبخ‏...‏ والعطور إلخ كأنما قد عز عليه في اللحظة الأخيرة أن أزف إلي عريس بلا أي جهاز وكرر لي وعده بأن حقي محفوظ عنده وأنه سوف يؤثث لي المسكن الجديد حين نحصل عليه‏.‏ ولم أتمالك نفسي حين قال لي ذلك فارتميت علي صدره وأنا أقبله وأشكره ودموعي تسيل وهو ينظر إلي في حرج كأنما لا يصدق إنني مازلت أحبه بعد ماجري بيننا‏,‏ فقلت له وكيف لا أحبه بالرغم مما حدث وهو أبي‏..‏ وسندي وعزي‏..‏ ومرجعي الذي أرجع إليه في الملمات ولم يفعل مافعل إلا حرصا علي ؟ فدمعت عيناه وأقسم الا أنتقل إلي بيت زوجي إلا بعد حفل عشاء يقيمه لي في أحد الفنادق‏,‏ وبعد أن أرتدي فستان الزفاف الأبيض ثم أعطي أمي مبلغا من المال وطلب منها شراء فستان لي‏,‏ وحدد يوم الخميس لحفل العشاء وارتداء فستان الزفاف‏,‏ واجتمعنا‏20‏ شخصا في حفل عشاء بفندق كبير وارتدي خطيبي بدلته الجديدة‏..‏ وجلست الي جواره ونحن نطير من السعادة‏,‏ وفي آخر الليل توجهنا الي مسكنه وبدأت حياتي الزوجية معه‏.‏ ولن أطيل عليك أكثر من ذلك‏..‏ وإنما سأقول لك فقط إنني عشت ومازلت أعيش أجمل أيام حياتي مع زوجي الذي تحملت الضرب والإهانة من أجله‏..‏ وتحمل هو الإساءة والأذي من أجلي ولم تتغير مشاعر كل منا أو يفقد أمله في الآخر‏.‏
وعلي عكس كل ما قيل لي من تحذيرات طويلة من الحياة المشتركة مع والدة زوجي‏,‏ فلقد وجدت معها راحتي وأماني ونعمت بعطفها علي وحبها لي وتقديرها لتمسكي بابنها‏..‏ فضلا عن أنها سيدة طيبة وحكيمة ولا تتدخل فيما لا يعنيها وتراعي دائما خصوصياتي‏.‏
ولقد أنجبت بعد حوالي عامين من زواجي طفلا جميلا لم يتردد زوجي في موافقتي علي تسميته باسم أبي وأنجبت بعد عامين آخرين طفلة رحبت بشدة بتسميتها علي اسم والدته‏..‏ التي تحملت معظم عبء رعاية الوليد الأول عني‏..‏ وأضافت رعاية المولودة الجديدة إلي مسئوليتها‏.‏
والحمد لله علي كل شيء‏..‏ فابني الآن في الثامنة من عمره وأخته في السادسة وهما متعة أبي الأولي في الحياة الآن‏..‏ وكذلك أمي‏,‏ أما زوجي الذي كان مرفوضا منهما من قبل فلقد أصبح أقرب الناس إليهما خاصة بعد سفر أخي الوحيد للخارج للحصول علي الدكتوراه منذ عامين‏,‏ وهو الذي يلبي مطالبهما ويقضي مصالحهما‏,‏ ويعاملهما بحب واحترام‏.‏
وأما الشقة القديمة التي تزوجنا فيها فلقد اقنعت زوجي بأن ماندخره للحصول علي مسكن جديد‏..‏ فان ابني وبنتي أحق به‏..‏ لأنني أشعر بالراحة فيها فضلا عن قربها من مسكن أسرتي الذي يتيح لي زيارة أبي وأمي كل يوم‏.‏
ولقد سعدت بحماس أبي لرأيي هذا بالرغم من موقفه السابق من مسألة الشقة‏..,‏ وهكذا فقد جددنا الشقة القديمة ببعض مدخراتنا حتي أصبحت كالعروس‏.‏ وغطينا الأرض بالسيراميك وجددنا الحمامين‏..‏ وأعدنا طلاء الجدران‏..,‏ فإذا بأبي يقول لي إنه يعتبر ماحدث تنفيذا لشرطه السابق علينا لكي يؤثث لي مسكني‏..‏ وإذا به يشتري لي أثاث‏4‏ غرف ممتازة‏,‏ وكان يوما سعيدا يوم وقفت سيارة نقل الموبيليات الكبيرة أمام بيتنا‏..‏ وراح الحمالون ينزلون جهاز العروس الذي تزوجت قبل عدة سنوات‏..‏ ويأخذون بدلا منه الأثاث المتهالك‏,‏ وإزددت حبا لأبي وأمي وسعادة بزوجي وابني‏.‏
أماعن زوجي فنحن متفاهمان في كل شيء‏..‏ والحب القديم الذي جمع بيننا منذ الصبا ازداد عمقا ورسوخا‏..‏ وكلما اختلفنا حول أي خلاف عابر تذكر كل منا ماصبر عليه من أذي وحرمان من أجل شريكه فيذوب الخلاف‏..‏ ويعود الصفاء ولقد كتبت لك رسالتي هذه بعد أن انتهت كل المشاكل لكي أقول لك إنني قد قرأت في بريدك عدة رسائل لفتيات تحدين أهلهن وتمسكن بشبان أجمع الأهل علي أنهم لا يصلحون لفتياتهم وأن عيوبهم ظاهرة ولا تخفي علي العيان فشققن عصا الطاعة عليهم وتزوجن منهم‏,‏ ثم لم تمض سنوات حتي صدمن في شخصيات أزواجهن الذين هجرن الأهل من أجلهم‏,‏ وتجرعن كؤوس الشقاء معهم‏..‏ ولمن أنفسهن أنهن لم يستمعن لنصيحة الأهل في الوقت المناسب بعد أن خفت حدة العاطفة وظهرت المشاكل والشخصيات الحقيقية كما قرأت تعليقاتك علي هذه الحالات بأن هذا مايحدث بالفعل في حالات كثيرة من حالات الزواج التي تشق فيها الفتيات عصا الطاعة علي آبائهن وأمهاتهن ويتزوجن علي الرغم من إرادتهم لكي يضعنهم أمام الأمر الواقع‏,‏ ويخلفن المرارة والأسي في نفوسهم تجاه بناتهم اللاتي أحبوهن وطلبوا لهن السعادة والأمان‏..,‏ وان من واجب الفتيات والأبناء إذا اختلفت وجهات نظرهم مع رأي الأهل فيمن يرغبون في الارتباط بهم‏..‏ ألا ييأسوا أبدا من الأمل في نيل رضا الأهل عن اختياراتهم في الحياة‏..‏ وألا يقصروا في طلب قبولهم لشركائهم في الحياة حتي ولو لم يكونوا علي اقتناع كامل بهم لكي يبدأ الأبناء حياتهم الجديدة مسلحين برضا الأهل وتمنياتهم لهم بالتوفيق والسعادة‏.‏
والحق أنني أؤيدك في ذلك وأؤكد لك بأنني أشعر بأن كل ماأصابني من توفيق في حياتي الزوجية وفي عملي إنما يرجع إلي إصراري علي ألا أخرج علي طاعة أبي وأمي‏,‏ وألا أتزوج من فتاي إلا بعد قبولهما له حتي ولو لم يكونا مقتنعين اقتناعا كاملا به‏,‏ كما يرجع أيضا إلي صبري علي أبي سنوات طويلة إلي أن لان موقفه من زوجي وقبل به‏..‏ ثم رضي عنه‏,‏ الي جانب دعائي المتصل إلي الله سبحانه وتعالي أن يجمع شملنا أنا وفتاي في حياة مشروعة يرضي عنها الله ورسوله‏..‏ وكذلك دعاء فتاي وصلاته وصومه وتكفيني سعادتي الآن وأنا أري زوجي وهو يخاطب أبي بيا عمي عن حب حقيقي واحترام وسعادتي بكلمات أبي وأمي عنه وكيف أن الأيام قد أثبتت لهما أن الأصل الطيب والأخلاق الكريمة وحسن المعاملة أهم من كل مال الدنيا‏..‏
كما كتبت لك أيضا لكي تشكر عني أبي وأمي عن كل ماقدماه ويقدمانه لي حتي اليوم من حب ومساندة‏..‏ واحترام لزوجي ووالدته‏..‏ وأرجو أن تتمسك برأيك دائما في عدم تفضيل خروج الأبناء علي طاعة الأهل‏..‏ والاصرار علي أن يكافحوا للنهاية لنيل رضاهم ومباركتهم لاختياراتهم في الحياة كما فعلت أنا‏..‏ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏
كان الإمام بن حزم الأندلسي يقول‏:‏ أسرع الأشياء نموا أسرعها فناء‏,‏ وأبطؤها حدوثا ابطؤها نفاذا ومادخل عسيرا لم يخرج يسيرا‏!‏
وكان الكاتب الإنجليزي الثائر توماس مان يقول إن مانحصل عليه بثمن رخيص قد ننظر إليه بغير اهتمام كبير‏,‏ أما مانحصل عليه بالثمن الغالي فهو دائما مايستحق منا الاهتمام والتكريم‏.‏
ولهذا فلا عجب ياسيدتي في أن تقبضي أنت وزوجك علي الجمر لكي تحفظا عليكما سعادتكما وحبكما بعد أن كافحتما كفاحا مريرا لتتويجه بالزواج وقبول الأهل‏..‏ وراحة الضمير لعدم خروجكما علي طاعة الأبوين بالرغم من طول الصبر والانتظار‏.‏
والحق أنني اتفق معك تماما في أن أحد أسباب توفيقك في حياتك الزوجية والعملية هو إصرارك علي ألا تشقي عصا الطاعة علي أبيك وألا تتزوجي ممن اختاره قلبك علي غير إرادته‏..‏ بالرغم من طول الصبر وبالرغم أيضا من إتاحة مثل هذا الاختيار أمامك خلال سنوات الانتظار‏..‏ فلاشك في أن السعادة التي يحققها المرء لنفسه علي حساب تعاسة أقرب الناس إليه وإيلامهم نفسيا وتمرده عليهم تكون دائما سعادة منقوصة‏,‏ أو سعادة يكدرها إحساس أصحاب الضمائر بالذنب تجاه اعزائهم‏,‏ وكثيرا ماتصطدم مثل هذه السعادة الناقصة بسوء التوفيق في الحياة ويجهد المرء نفسه لكي يحاول فهم أسبابه فلا يقوده تفكيره غالبا إلا إلي أنه محروم من مباركة الأهل لحياته وتمنياتهم الطيبة له‏.‏
علي أني قد أضيف الي اسباب توفيقك في حياتك العائلية الي جانب اعتصامك بالصبر الي ان تنالي رضا أبويك عن اختيارك لشريك الحياة‏,‏ سببا آخر هو أن هذا الاختيار من الأصل لم يكن اختيارا متعارضا مع احكام العقل أو الدين‏,‏ وإنما توافقت فيه أحكام القلب مع أحكام العقل‏,‏ فالفتي لم يكن يعيبه في نظر أبويك سوي قلة إمكاناته المادية وظروفه الإنسانية كشاب يتيم لا سند له في الحياة‏,‏في حين تتوافر فيه علي الجانب الآخر كل المؤهلات الأخري التي ترشح الحياة المشتركة معه للنجاح والتوفيق من طيب العنصر وكرم الأخلاق والاستقامة الشخصية والتدين وحسن المعاملة‏,‏ والقدرة علي ضبط النفس والالتزام بالسلوك المهذب في أشد لحظات الانفعال‏..‏ ولقد تجلت فضائله هذه حين اعتدي عليه والدك أكثر من مرة‏,‏ فكيف لا ترشحه هذه المؤهلات الأخلاقية الي جانب حب كل منكما للآخر للسعادة والتوفيق معك ؟
لقد أعجبني في قصتك إصرارك الذي لم يضعف علي ألا ترتبطي بفتاك إلا عن رضا من الأهل علي اختيارك لحياتك ولو طال بك الصبر والانتظار سنوات وسنوات‏.‏
فكأنما كنت تعملين بنصيحة العقلاء في كل زمان ومكان‏..‏ والتي عبر عنها زعيم الهند الروحي المهاتما غاندي بقوله‏:‏
لا تسلك الي الهدف السليم إلا الطريق السليم‏,‏
ولا غرابة في ذلك‏,‏ لأن الغاية الشريفة ينبغي الا يتخذ الإنسان للوصول إليها سوي الوسائل الشريفة وإلا أساء إلي نبل مقصده وإلي نفسه وإلي الآخرين‏.‏
كما أعجبني في قصتك أيضا ان والدك قد غلب في النهاية نداء الحكمة علي نداء العناد وصلابة الرأي‏,‏ فسلم باختيارك بغير ان يدفعك دفعا الي شق عصا الطاعة عليه‏,‏ وإن كان هذا التسليم قد تأخر طويلا حتي عتبت عليه إيذاءه البدني لك أكثر من مرة‏,‏ وعتبت عليه أكثر تهوره علي فتاك الشاب الوحيد اليتيم المغلوب علي أمره حتي ليمد إليه يده بالأذي‏..‏ فلا يفقد الآخر سيطرته علي نفسه ولا يرد عليه الأذي بالمثل‏,‏ غير أنه لا لوم ولا عتاب الآن وقد تغيرت المواقف‏..‏ وكلل الحب الشريف بالزواج الموفق‏,‏ وانتصر الحب الأبوي آخر الأمر في قلب أبيك علي عناده وتهوره السابقين وتكشف في النهاية عن أب يحرص علي سعادة ابنته ويفيض قلبه بالحب والعطف عليها وعن رجل يحترم كلمته لها فيفي لها بوعده الذي قطعه علي نفسه ويؤدي إليها جهازها بعد سنوات من الزواج والإنجاب‏,‏ ويسعد بسعادتها ويحنو علي طفليها ويري فيهما امتدادا له ويمحو من نفسه كل آثار المرارة السابقة تجاه زوجها ويعتبره أبنا ثانيا له ويبادله الابن الجديد حبا بحب واعتزازا باعتزاز‏.‏
أما دعاؤك إلي ربك ان يجمع الله بينك وبين من أحببت في حياة مشروعة يرضي عنها الله سبحانه وتعالي ورسوله‏,‏ فلقد استجاب له ربك وأنعم عليك برفقة من تحبين والتوفيق معه وإنجاب الذرية الصالحة منه‏,‏ ورضا الأبوين عنك ومباركتهما لحياتك وسعادتك وكيف لا يستجيب الله جل وعلا لدعاء القلوب المخلصة كقلبك وقلب فتاك‏.‏ وهو من قال عنه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الشريف مامعناه‏:‏ من لم يسأل الله يغضب عليه حتي لقد كان أحد الصالحين يردد دائما في دعائه‏:‏ يامن تغضب علي من لا يسألك لا تمنع عني ماقد سألتك‏!‏
فهنيئا لك ياسيدتي سعادتك وسلامك النفسي ورضاء أبويك عنك‏,‏ وتذكري دائما ان مانحصل عليه بالعناء وبالثمن الغالي من أيامنا وليالينا ينبغي لنا دائما ان نتمسك به ونذود عنه عوادي الأيام وتقلبات الأهواء‏,‏ وشكرا لك علي رسالتك الجميلة‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.