عيون المعصية ... قصص حقيقيه


بـريــد الأهــرام


أنا دكتور مهندس في منتصف الثلاثينيات من عمري‏,‏ أعمل في وظيفة مرموقة‏,‏ متزوج من سيدة غاية في الاحترام والجمال والاخلاق‏,‏ عندي ابنتان هما قرة عيني وفرحتي‏,‏ ــ نعيش في إحدي المحافظات الساحلية‏,‏ حياة سعيدة هانئة‏,‏ أنعم باحترام الجميع وتقديرهم‏,‏ إلي الحد الذي يراني فيه الكثيرون قدوة لأبنائهم‏,‏

المشكلة أني علي الرغم من كل هذا‏,‏ لا أحترم نفسي‏,‏ ولا أطيق رؤية وجهي في المرأة‏,‏ وأحس أن الله ينتقم مني بهذا الإحساس‏,‏ لأني أكذب عليه‏,‏ ولا أراعي ولا أشكر النعم التي من بها علي‏.‏

سيدي‏....‏ قبل أن أقول لك أصل المشكلة‏,‏ دعني أكشف لك أني تربيت في بيت متدين‏,‏ أصلي وأصوم‏,‏ ألتزم بكل أوامر ونواهي الدين الحنيف إلا عند لحظة محددة يسقط كل هذا عني‏,‏ وكأنني شخص آخر‏.‏

كنت في الجامعة طالبا رومانسيا جدا‏,‏ وعلاقاتي مع زميلاتي حالمة‏,‏ أغلبها يقع في الخيال‏,‏ لا علي أرض الواقع‏...‏ لم ألمس فتاة اثناء الدراسة‏,‏ حتي التقيت بزميلتي في نفس الكلية فنشأت بيننا قصة حب رائعة‏,‏ توجناها بالزواج بعد التخرج بسنوات‏,‏ واستمرت حياتنا سعيدة‏,‏ حتي بدأت تظهر أعراض المرض علي‏,‏ لا أعرف إذا كان مرضا نفسيا أو عضويا أو أن ما افعله شيئا طبيعيا‏.‏

مرضي ومشكلتي يا سيدي‏,‏ أني لا أستطيع مقاومة أي فتاة أو امرأة‏,‏ أراها في الشارع أو في العمل‏,‏ أو حتي في التليفزيون‏...‏ تثيرني وتسلب مشاعري‏,‏ فأشتهيها وأظل مسلوب الإرادة‏,‏ فاقدا للسيطرة علي نفسي‏,‏ كنت أقف حتي وقت عند حد النظر والاشتهاء‏,‏ أو المطاردة الصامتة‏,‏ حتي بدأت أصادق فتيات سيئات‏,‏ وبالتالي بدأت علاقاتي تنحدر إلي مستوي هابط‏

‏ نعم‏,‏ بفضل حماية الله سبحانه وتعالي لم أنجرف إلي ارتكاب الكبائر‏,‏ وهذا ما يطمئنني قليلا‏,‏ ولكني لا اسامح نفسي علي الحماقات الصغري التي أفعلها‏,‏ أكاد اتمزق بعدها‏,‏ أغضب ربي‏..‏ أخون زوجتي‏,‏ ولا أحافظ علي ابنتي‏,‏ ألعن نفسي ألف مرة‏,‏ خاصة إذا أشاد أحد بأخلاقي‏,‏ أو تحدثت زوجتي أمام اقاربنا علي الهدية التي منحها الله إياها‏,‏ تقصدني أنا طبعا‏,‏ وهي لا تعرف حجم الانحطاط الذي أمارسه‏.‏

ألعن نفسي ألف مرة‏,‏ وأعاهد ربي علي ألا أعود إلي تلك التصرفات‏,‏ اصمد ساعات وأياما‏,‏ ثم أنسي أو أتناسي لأبدأ من جديد‏.‏

كنت أخجل أحيانا من مواجهة الله في الصلاة‏,‏ فلا أصلي‏,‏ حتي سمعت أحد العلماء ينصح بعدم ترك الصلاة مهما كانت المبررات والمعاصي‏,‏ فعدت لأصلي مرة أخري وأنا أذوب خجلا بين يدي الرحمن‏.‏

أصبحت أتمزق من هذا التناقض‏,‏ يكاد رأسي ينفجر من التفكير‏,‏ تسألني عن سبب استمراري في هذه التصرفات مع كل هذه المشاعر المؤلمة‏,‏ أجيبك بأني لا اعرف ولا افهم نفسي‏.‏

سيدي‏....‏ كل ما يجول بخاطرك الآن‏,‏ يجول بخاطري‏,‏ فأنا لا أتخيل ماذا سأفعل بمن ينظر فقط إلي زوجتي أو يطاردها مثلما أفعل مع الأخريات‏.‏

وأعرف أنه كما تدين تدان وأن ابنتي قد تدفعان ثمن تصرفاتي‏,‏ وأحتقر كل رجل يخون زوجته لأني أعلم أن عقاب الله شديد‏.‏

ولكن عند أول فرصة للانحطاط‏,‏ يغيب عقلي تماما‏,‏ وأفقد السيطرة علي نفسي‏.‏

سيدي‏....‏ أصابني الاكتئاب‏,‏ تطاردني الهواجس‏,‏ يحاصرني الاحساس بالموت والوقوف بين يدي الله وأنا علي هذه الحالة المقرفة من المعاصي‏,‏ وأخشي اليوم الذي تكتشف فيه زوجتي هذا الوجه القبيح‏,‏ وأني مخادع‏,‏ ولست هذا الرجل المثالي الذي تعتقده هي والآخرون‏,‏ ولكني لا أعرف وسيلة لإنقاذ نفسي‏...‏ فأنا أحب كل النساء‏,‏ وأشتهيها وأتمناها‏...‏ ولا استطع مقاومة رغباتي وضعفي‏...‏ فبماذا تنصحني؟‏!‏
*‏ سيدي‏...‏ لقد سقطت فيما يسقط فيه بعض الرجال‏,‏ من الجري خلف الشهوات‏,‏ مطلقين العنان لعيونهم‏,‏ لتقتنص ما ليس من حقها‏,‏ منتهكة الأعراض‏,‏ مستمتعة بالمعصية‏,‏ تحت زعم الضعف‏,‏ وعدم القدرة علي المقاومة‏,‏ علما بأن ترويض النفوس وتهذيبها ليس بالأمر الهين‏,‏ ولا مقاومة إغراء الشياطين أمر يسير‏.‏

لقد تعلمت أن كل نتيجة تسبقها مقدمات‏,‏ وأنت اغلقت كل نوافذ المقدمات التي يمكنني من خلالها التوصل معك إلي أسباب ما وصلت إليه‏.‏

فقد اعطاك الله كل ما يتمني العبد الصالح‏,‏ زوجة صالحة‏,‏ وابنتين قرت بهما عيناك‏,‏ ووظيفة مرموقة‏,‏ واحترام ومحبة الناس‏,‏ وسترك الله طويلا ومنحك الفرصة تلو الأخري حتي تتوب عن تصرفاتك‏,‏ ولكنك تصر علي معصيتك‏,‏ في اتجاه فضيحة تسرق منك كل السعادة التي تنعم بها‏,‏ وتركلها بشهوتك‏,‏ بحثا عن متعة وقتية زائلة‏.‏

قلت في رسالتك إنك من أسرة متدينة‏,‏ وربيت تربية دينية‏,‏ وإن سمحت لي بمكاشفتك‏,‏ أقول لك إن ما تفعله لا يدل علي ذلك‏,‏ وكذلك ما تقوله‏,‏ فدلائل هذه التربية لابد أن تتجلي في سلوكك‏,‏ فتغض بصرك‏,‏ حتي لا تري ما يغويك‏,‏ وهنا قال العلماء أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه‏,‏ ولم تزل الشبهة يقينه كما أنك تري ما تفعله من الصغائر‏,‏ وأن الله أنجاك من الوقوع في شرك الكبائر‏,‏ أو لم تعلم ــ يا سيدي ــ أن الإصرار علي الصغائر من الكبائر‏.‏

يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه البديع بداية النهاية‏:‏ الكف عن المعاصي ترك‏,‏ وهو أسهل‏,‏ وعمل الطاعات فعل‏,‏ وهو أثقل‏,‏ ولذلك لم يبح الله تعالي ارتكاب المعصية بعذر‏,‏ ولا بغير عذر‏,‏ لأنه ترك‏,‏ والترك لا يعجز المعذور عنه‏,‏ وإنما أباح ترك الأعمال بالأعذار‏,‏ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه‏.‏

أرأيت كيف تقوم بالأصعب وهو عمل الطاعات‏,‏ وتفرط في السهل والمتاح‏,‏ وهو ترك المعاصي‏.‏

سيدي‏...‏ لا أريد أن أفيض في ذكر ضعفك أمام شهواتك‏,‏ ولا في التحدث بلغة وكلام أهل العلم ــ فأنا لست منهم ــ ولكني أذكرك فقط بما قد ننساه ونسقطه من قلوبنا وعقولنا أمام ضعفنا وشهواتنا‏.‏

فلو جمعت كل النساء في بيتك ما اكتفيت‏,‏ لكن لو نظرت حولك‏,‏ لامرأتك وإبنتيك‏,‏ لحمدت الله كثيرا ورضيت بما قسمه لك وحرم غيرك منه‏.‏

جدد عهدك مع الله‏,‏ أخلص النية للإقلاع عما تقوم به‏,‏ وقر في بيتك مع زوجتك‏,‏ وابنتيك وقتا أطول‏,‏ وعندما يسكن الشيطان عينيك أغلقهما‏,‏ وتوضأ وصل ركعتين لله‏,‏ فإذا فشلت وأمرتك نفسك بالسوء فليس أمامك إلا التوجه إلي طبيب نفسي‏,‏ لعله يضع يده علي ما قد خفي في رسالتك‏,‏ أعانك الله ونجاك من نفسك وهداك وحفظك لبيتك وصحبتك‏...‏ وإلي لقاء بإذن الله‏.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.